غرائب الزمان … وعجائب الدنيا

مقديشو (الاصلاح اليوم) – 

من مدونات الشيخ عبد الرحمن بشير 

١- رأيت بعض العلماء يثورون حين يسمعون أن سيدة صومالية ترغب أن تترشح لقيادة الوطن ، ولكنهم لا يغضبون أبدا حين يَرَوْن أن الوطن محتل من قبل الأعداء ، وأن حدوده مفتوحة للجميع ، وأن لا سيادة لهذا الوطن بين الأمم والشعوب ، فهذه من علامات غرائب الزمان ، وعجائب الدنيا .

٢- رأيت بعض العلماء يرفضون تولي المرأة المناصب العليا للدولة ، ولكنهم لا يرفضون تولي الفسقة للمناصب العليا ، فهل الفسق أقل خطورة من الأنوثة ، ولماذا يخطط لنا الغرب مجالات الصراع ؟ فهل علماؤنا متخصصون في الرد ؟ لماذا لا يعدون مشروعا إسلاميا يجيب عن التساؤلات بعيدا عن الإنفعال ؟ فهذه كذلك من علامات غرائب الزمان ، وعجائب الدنيا .

٣- رأيت بعض العلماء يحصرون قضية المرأة في جسدها ، وعمل المرأة في بيتها ، وهذا ليس صحيحا ، ولكن فيه نوع من الصحة ، المرأة إنسان لها جسد كالرجل ، ولكن ليست كلها جسدا ، فتدينها ليس محصورا في الحجاب ، كما إن تدين الرجل ليس محصورا في اللحية ، ولكن خطاب العلماء المرتبط بالمرأة لا يتجاوز عتبة الجسد ، وهذا من غرائب الزمان ، وعجائب الدنيا .

٤- رأيت بعض العلماء يخافون من قضية تحرير المرأة حتي باسم المشروع الإسلامي والوطني ، وكأنهم يريدون امرأة بلا فكرة ، لا تملك دورا في الحياة ، تدور مع زوجها حيث دار ، وهذا ليس هو الإسلام الذي قرأناه في كتاب ربنا ، فامرأة فرعون خالفت زوجها الكافر ، وامراة لوط عاندت زوجها النبي ، فليست المرأة دوما تابعة ، بل لها أن تقرر مسارها ومصيرها ، ولكن بعض الخطاب مشكلة ، وهذا أيضا من غرائب الزمان ، وعجائب الدنيا .

٥- رأيت بعض العلماء يجعلون المرأة متاعا للرجل ، والمتاع هو الشيء الذي يملكه الانسان للإستمتاع ، وهذا حصل كنتيجة من فهم مغلوط لحديث نبوي رائع ، يتناول جمال العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة ، فقال : الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، ومنه نفهم من باب الموافقة ، الدنيا متاع ، وخير متاعها الرجل الصالح ، ولكن البعض يتناولون الدين من خلال قراءة ذكوريّة مغلوطة فيعلنون شيئية المرأة ، وهذا من عجايب الدنيا ، وغرائب الزمان .

٦- رأيت بعض العلماء يجعلون دور المرأة ( حضانة أبدية ) ، ويجعلون دور الرجل ( قيادة أبدية ) ، ولكن هل المرأة الفقيهة المتخصصة أدني مرتبة من الرجل الأمي ؟ هل الرجل يكتسب دوره في الحياة من ذكوريته حتي ولو كان جاهلا ؟ لماذا يعلن بعض العلماء الحرب علي المرأة ؟ أين خطاب الدعوة في دورها السياسي والاجتماعي ؟ أين خطاب الدعوة في دور المرأة في مطالبة حقوقها ؟ أليس هذا الصمت دليلا علي أننا بذكوريتنا نحرم المرأة حقها الطبيعي في الحياة ؟ وهذا دليل آخر علي وجود غرائب وعجائب في حياتنا وزمننا !

٧- رأيت بعض العلماء يفتون بأن المرأة لا تزور والدها إدا منعها ذلك زوجها ، ولكنهم يقولون كوعظ وإرشاد ، ليس من الأدب أن يمنعها ، ولكنهم لا يقولون شيئا ماذا لو رفضت كحق لها في زيارة والدها طاعته في ذلك ، فهل بهذا وقعت في المعصية ؟
لدينا خطاب ديني غير متوازن ، أين الاسلام الذي جاء للجنسين معا ؟ ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن ) لماذا يبدو البيت المسلم في الخطاب الدعوي حبسا وسجنا ؟ لماذا لا نعلن التفاهم الأُسَري بدل البيت الذي يبدو من خلال خطاب بعض الدعاة معسكرا ؟ لماذا نسمع دوما لوائح داخلية تتحدث في غالبها بلغة الأوامر العسكرية؟ يجب علي المرأة أن لا تخرج من البيت ، ويجب عليها أن تستجيب لغرائز الرجل فورا ، ويجب أن لا تصوم إلا بإذنه ، وغيرها من الأوامر العسكرية ، وكل هذا صحيح ، ولكنها تأتي من بعض العلماء بلغة عسكرية جافة ، ولهذا قلت ، وما زلت أقول ، نحن في زمن الغرائب ، وفي دنيا العجائب .

٨- الغرب يريد ترجيل المرأة ، وبعض العلماء يحاولون تأثيث المرأة ، وخطاب العدل بينهما ، فلا المرأة تكون رجلا ، لأن الله أراد أن تكون أنثي لتكمل الرجل ، وأراد الله أن يكون الذكر رجلا ليكمل المرأة ، ولكني في متابعتي الأخيرة للثقافة الأنثوية المعاصرة لاحظت فيها اعتداء علي طبيعة المرأة ، ولهذا رفضت دعوات الأنثويين في تحرير المرأة ، فليسوا من أهل التحرير ، ورفضت كذلك خطاب بعض العلماء الذين ينطلقون من عادات الشعوب وتقاليدها ، ويجاهدون في تأثيثها وتشيؤها ، فيجعلون المرأة التي خلقها الله لعبادته شيئا من أشياء الرجل ، يستمتع بها ، ولهذا لم أقبل التعريف الذي قال عن الزواج ، أنه عقد يبيح للرجل وطء المرأة الأجنبية ، فهذا ليس صحيحا ، لأن الزواج لا بكون عقدا إلا أدا كان بين طرفين أساسيين ، وهما الزوج ، والزوجة ، وبه يحل لكل واحد منهما الإستمتاع بالآخر .

٩- رأيت بعض الرجال يحبون المرأة ذات الشخصية الضعيفة ، والتي لا ترد عليهم ولو كلمة ، فهم من خلال ما سمعوا من بعض العلماء ببعض المواصفات ، والتي تنحصر في غالبها بالطاعة وعدم الرفض لأوامر الزوج ، ومن هنا يرغب البعض من الرجال أن يتزوج الصغيرة حتي ولو كان العمر بينه وبينها عقدين من الزمان دون أن يشعر ما ينتج من هذا الفارق العمري من المعاناة .

نحن نريد المرأة القوية التي تطيع زوجها بالمعروف ، وتفارقه بالمعروف إن رأت منه ما يجافي طبعها ، وهذا ما فعلت به السيدة الفاضلة من الصحابيات ، امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنهما حيث قالت : لا أعيب عليه في دين وفي خلق ، ولكن أكره الكفر في الإسلام .

هذه سيدة قوية لديها شخصية قوية ، ولكنها لم تخف ما في نفسها من بغض لزوجها ، ولم يطالب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم أن تخالف فطرتها ، فقال لها : أتريدين حديقته ؟ فقالت بكل صراحة : نعم .

المرأة الحديدية ( خديجة ) عاشت مع الرسول صلي الله عليه وسلم ، وكانت أول المؤمنين به ، وواستها بمالها ، وعقلها ، ولم يتزوج معها أبدا في حياتها ، لأنها أشبعتهَ روحيا وفكريا ، فكانت وزيرته وسيدة حياته ، ولهذا يقي معها وفيا أثناء حياته ، فلم يتزوج عليها ، وبقي وفيا بعد موتها حيث كان يبر كثيرا لصديقاتها ، وتزوج بعدئذ السيدة الحديدية الثانية عائشة رضي الله عنها ، وهي التي روت منه العلم الوفير ، والروايات الكثيرة ، وخاصمت الرجال في حياته ، وبعد موته ، فلم تكن سيدة لا شأن لها في حياة المسلمين ، بل نزلت لتقود جيشا ضد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وهذا يدل علي أن نساء النبي لسن كسائر النساء ، ولا كسائر الرجال .

١٠- قال النبي الأكرم صلي الله عليه وسلم : استوصوا بالنساء خيرا ، أين نصيب النساء من خطاب الدعاة اليوم سوي اللوائح الداخلية التي جعلت البيت المسلم حبسا ؟ أين الرحمة والمودة والسكن ؟

لماذا بنجح الغرب في صناعة الزعامات النسوية ؟ ويفشل المسلمون في صناعة الزعامات المسلمة ؟ هل نحن نخاف أن نعيد للحياة مرة ثانية قيادات نسوية كخذيجة في فهمها للدين ، ونضالها للرسالة ؟ هل نحن نخاف أن نري في حياتنا زعيمة مسلمة كملكة سبأ التي قادت قومها نحو الإيمان ؟ هل نحن نخاف أن نري في حياتنا سيدة حديدية مثل تاتشر البريطانية ، وجولدامائير اليهودية ؟

قال النبي الأكرم صلي الله عليه وسلم : إنما النساء شقائق الرجال ، فلا تكون الحياة رائعة إلا بوجود الرجال والنساء معا في أجواء مفعمة بالحيوية والإيمان ، فلا بد من المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، والقانتين والقانتات .

لا شك في أن المرأة تمثل فتنة للرجال ، ولكن الرجال كذلك يمثل فتنة للنساء ، وهكذا أراد الله للحياة ، فهي فتنة أبدية ، وسيبقي الرجال فتنة للنساء ، وستبقي النساء فتنة للرجال ، والحل لن يكون في إبعاد النساء عن الحياة ، ولكنه يتمثل في تطبيق الدين من الجنسين معا .

نحن بحاجة إلي مراجعة خطاب بعض الدعاة ، وما أحسن أن نقرأ في هذه الأيام كتاب ( أبوشقة ) رحمه الله في مجلداته الستة ( تحرير المرأة في عصر الرسالة ) ، وهو من أفضل ما كتب في هذا المجال كما قال العلامة القرضاوي ، وقال عنه الشيخ محمد الغزالي : وددت لو ظهر هذا الكتاب قبل قرون ، انه سفر ضخم ، وليس رسالة متوسطة الحجم ، وهو كذلك قراءة عميقة لنصوص الكتاب العزيز ، ونصوص الأحاديث الصحيحة ، وخاصة صحيحي البخاري ومسلم ، فهذه القراءة العميقة تدفع عنا البلادة الفكرية ، والعطالة العقلية .

لست من هواة المرأة المترجلة ، ولكني كذلك لست من مساندي تأثيث المرأة وتشيؤها ، فأنا من المناضلين باسم الدين أن تتحرر المرأة من القيود البشرية والظالمة ، فهي إنسان كرمها الله ، وليست تابعة لأحد ، فهي وحدها كالرجل تقرر مصيرها ، ولكن عجائب الدنيا ، وغرائب الزمان يجعل البعض لا يرغب هذا المذهب .

عن islamadmin

شاهد أيضاً

الرئيس الصومالي يبحث العلاقات مع نظيره المصري هاتفيا

مقديشو (الاصلاح اليوم) – أجرى رئيس الجمهورية محمد عبدالله فرماجو، أمس الاثنين، اتصالا هاتفيا مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *