نبذة مختصرة من ترجمة الشيخ العلامة الشريف عبد النور

نبذة من ترجمة الشيخ العلامة الشريف عبد النور

 د. محمد عبده آدم:  أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القري بمكة المكرمة

اسمه وكنيته : أبو محمد  الشريف عبد النور ابن شريف حسن ابن شريف آدم:

نسبه: يرجع نسب الشيخ إلى الأشراف وإلى آل المقبولي الذين يرجعون إلى حسن بن علي رضى الله عنهما ،وأمه من قبلية الأوجادين ؛ فخذ أوجاس كوشن من بطن العبدله (بفتح الدال المعجمة).

مولده ونشأته:

ولد الشيخ في عام 1941 في منقطة وادي داختو”daakhate” بالقرب من مدينة فيق في منطقة الصومال الغربي (أوجادين) ،وعندما بلغ العاشرة من عمره انتقل مع أهله إلى منقطة بالي ،وفي هذه المرحلة تعلم مبادي الكتابة وحفظ القرآن وبعض متون الفقه الشافعي والنحو على يد اخيه الكبير شريف عبد الله شريف حسن.

طلبه للعلم ([1]) :

المرحلة الأولى:

 طلب العلم في المراكز العلمية في القرن الإفريقي:

بعد أن حفظ القرآن وحفظ مختصرات الفقه الشافعي والنحو رحل في طلب العلم بتوصية من أمه حيث ذكر الشيخ أن أمه نصحته أن يرحل في طلب العلم وقالت له : “يا بني ارتحل في طلب العلم والعلا وإلا ستكون راعيا كبقية أقرانك من الشباب”([2])، ولعل رحمها الله نصحت ولدها بهذه النصيحة لما رأت منه من الذكاء والنباهة مع ما فيها من عاطفة الأم على ولدها وحبها للخير كله له، وكان من ابرز العلماء الذين تلقى العلم عنهم وخاصة علوم اللغة العربية (النحو والصرف) والفقه الشافعي في هذه المرحلة  :

الشيخ أحمد بارود
الشيخ حسن معلم على (حسن المريحاني)
الشيخ على جوهر.
الشيخ  الأماديني.
وبعد أن تلقى العلم على يد العلماء انتقل إلى مدينة هرر والتي كانت من أبرز المراكز العلمية في منطقة القرن الإفريقي لتلقي العلم على يد علمائها ولم أتعرف على اسماء المشايخ الذين أخذ عنهم في مدنية هرر .

المرحلة الثانية:

رحلته إلى مصر لالتحاق جامعة الأزهر:

بعد أن طاف على أبرز المراكز العلمية في القرن الإفريقي وحاز على معظم العلوم من تلك المراكز عزم الشيخ مع بعض زملائه على مواصلة الرحلة في طلب العلم ،ولكن الرحلة تكون في هذه المرة إلى خارج الوطن وإلى مركز من أبرز المراكز العالمية لنشر العلوم الشرعية هو الجامع الأزهر وذلك في عام 1959،وقد ذهبوا مشيا إلى السودان ومنها ركبوا القطار وبعدها ركبوا سفينة إلى مصر والتحق بكلية الشريعة وتخرج منها عام 1964، ثم واصل الدراسات العليا وحصل على الماجستير في أصول الفقه .

المرحلة الثالثة :العمل والنتاج العملي:

وفي أوائل عام 1972م عاد إلى الصومال، وتعين فور وصوله كموظف حكومي والتحق بمعهد حلنى الذي كان بمثابة تأهيل وتدريب الموظفين للدائر الحكومية واستمر هذا التأهيل لمدة تسعة أشهر ، ثم التحق بعدها كتدريب إجباري آخر للموظفين إلى مدرسة الشرطة واستمر فيها مدة ستة أشهر لتعليم اللغة الإنجليزية ولتلقي بعض التعليمات والمهارات الأخرى.

في عام 1973 تعين في المطبعة الوطنية لمراجعة المناهج ، ولم يمكث فيها طويلا ،وفي هذا العام نفسه تم تعيينه في معهد المعلمين ، ثم بعد فترة وجيزة انتقل من معهد المعلمين إلى رئيس قسم اللغة بكلية المعلمين (لفولي) واستمر على هذه الوظيفة حتي سقوط الدولة الصومالية في عام 1991م ([3]) .

جهوده العلمية والدعوية في هذه المرحلة:

بعد أن انتقل الشيخ إلى كلية المعلمين بفولي والتي تبعد عن العاصمة خمسة عشر كيلو بدء بنشاط دعوي متميز وأحيا مسجد الكلية الذي كان مهجورا حيث بدأ درسا في السيرة النبوية من بعد العصر إلى المغرب ،وبعد نجاح درس السيرة النبوية بدأ منسوبي الكلية والأهالي المجاوبين يقيمون صلاة الجماعة في هذا مسجد لأول مرة ، وكان الشيخ يعقب بعد خطبة الجمعة محاضرة قيمة مشهودة ،وكان كثير من الطلبة يأتي من مقديشو لاستماع هذا المحاضرة التي لم يتعود الناس إلى مثلها من حيث الوعي وغزارة المعلومات .

ابتلاء الشيخ بالسجن:

وفي شهر فبراير 1975 تم القبض على الشيخ وأودع في السجن بدون أي تهمة أو ذنب من قبل الحكومة الشيوعية التي كانت تتخوف من أي نشاط إسلامي ومكث في السجن لمدة تسعة أشهر ، وبعد أطلاق سراحه عاد إلى وظيفته وأستأنف جميع أعماله في الكلية ودروسه العلمية من جديد واستمر على المنوال حتى عام 19983م

وفي عام 1984م التحق بجامعة الملك سعود وأخد دبلوم عالي في اللغة والتربية ،وبعدها مباشرة وفي عام 1986 انتقل إلى مكة المكرمة والتحق بالمعهد العالي لتدريب الأئمة والدعاة التابع لرابطة العالم الإسلامي وأخذ منه دبلوما عاليا في الدعوة .

في هذه الفترة التي قضى فيها في السعودية (1984-1988) أقام في جدة فترة من الزمن بعد أن أنهى دراسته في معهد الرابطة ،وقام في هذه الفترة بإلقاء دوس عملية للجالية الصومالية في جدة وتم تسجيل الجزء الأكبر من كتب الحديث والتراث (الصحيحين والسنن) التي استفاد منها الصوماليون في إنحاء العالم فيما بعد ,وكان للشيخ أحمد جمعالي الجهد الأكبر في تسجيل تلك الكتب من الشيخ وحفظها ونشرها.

شيخ الصحوة الإسلامية في الصومال

في عام 1988 عاد إلى الصومال وباشر عمله في كلية المعلمين وأخذت دعوته بعدا جديدا في هذه المرحلة ؛حيث أنه بعد أن رجع الشيخ من السعودية في عام 1988 نقل دعوته من إطار منطقة لفولي التي تقع فيها كلية المعلمين إلى عمق العاصمة مقديشو ،وبدأ بتدريس حلقات علمية في مساجد مختلفة من أبرزها : حلقة صحيح البخاري في مسجد الرحمة بحي المدينة ، وحلقة أصول الفقه في مسجد مرواس.

في هذه المرحلة انتشر صيته وظهر مستوى علمه بين طلاب العلم من خلال الدروس العلمية في مقديشو بعد عودته من السعودية ومن خلال انتشار الأشرطة التي القاها للجالية الصومالية بالملكة العربية السعودية.

وفي الشهر التاسع من عام 1993 تعرض الشيخ لإصابة إطلاق نار في الرقبة والكتف من قبل عصابة من قطاع الطرق وهو مجموعة من طلابه وهم راجعين من مهمة دعوية لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، وكان هدفهم أخذ السيارة التي كانت تقلهم وقد أخذو فعلا ،وقد تعافي الشيخ من هذه الإصابة ولكنها تركت أثرا بالغا في صحته.

في شهر أكتوبر 1995 تعرض الشيخ بجلطة وشلل جزئي في الجانب الأيسر، وبعدها نقل إلى السعودية و وتعافي بعد تلقي العلاج نسبيا من آثار الشلل ولكن ما زال آثره باقيا .

في عام 1997 عاد إلى الصومال وجلس فيها إلى نهاية 1998م، وفي مطلع عام 1999 الموافق بـ 17/9/ 1419هـ رجع إلى السعودية ومكث فيها حتى وفاته ، وكان يلقي دروسا علمية خلال هذه المدة للجالية الصومالية في مكة المكرمة كان من أبرزها صحيح البخاري وصحيح السيرة النبوية وكتاب نيل الأوطار والشمائل المحمدية وبعض كتب مصطلح الحديث ، كما كان يلقي محاضرات متميزة عن مناسج الحج للحجاج الصوماليين القادمين من مختلف قارات العالم.

وفاته:

توفي – رحمه الله – في صباح الخميس بتاريخ 12 شوال 1438هـ الموافق 6/7/2017م  في مكة المكرمة في منزله الكائن تحت جبل حراء حيث قبض ملك الموت روح شريف عبد النور في المكان الذي نزل فيه النور وانطق منه حتى عم العالم كله بعد أن ساهم مساهمة كبيرة في نشر هذا النور وتوصيله إلى بلاد الصومال وما جاورها ،وصلى عليه في المسجد الحرام في ليلة الجمعة ودفن في مقابر المعلا بالحجون بجوار قبور الصحابة رضوان الله عليهم والذين من أبرزهم  قبر أم المؤمنين خديجة بنت الخويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم وحبيبته رضي عنها .

ترك زوجة وثمانية من الأولاد ؛ولدين وستة بنات .

موت العالم موت للعالم:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” إن الله لا يبقض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا “ متفق عليه .

قال النووي رحمه الله : ” هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم ليس هو محوه من صدور حفاظه ، و لكن معناه : أن يموت حملته و يتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالاتهم فيضلون و يضلون ” شرح مسلم 1/223

العلماء هم ورثة الأنبياء ،وهم نجوم يهتدى بهم في الظلماء،و معالم يقتدى بهم في البيداء،أقامهم الله تعالى حماة للدين،ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين،و لولاهم – بتوفيق من الله لهم- لطمست معالمه ، و انتكست أعلامه .

ويقول الإمام ابن قيم الجوزية-رحمه الله- في شأن العلماء الرَّبانيين- هم : (ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم ، وهم القائمون بما بعثوا به علماً وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طرقهم ومنهاجهم ، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة …وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في العلم وهم الوسائط بين الرسول وأمته فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه..

صفات الشيخ الشريف عبد النور رحمه الله:

كان الشيخ شريف عبد النور – رحمه الله – عالما ربانيا يتصف بصفات سامية ويتمتع بأخلاق العلماء وصفات العظماء ،وقد اجتمعت له خصال حميدة عديدة لو اتصف بها شخص ما بخصلة واحدة من هذه الخصال لعد من النبلاء وفيما يلي نعرض نبذة مختصرة عن صفاته حسب ما ظهر لي خلال فترة ملازمتى له والتي كانت نحو عشر سنوات سكنت أنا وإياه في مسكن واحد وتتلمذت عليه وعرفت عنه ما لا يعرف عنه الكثير من حياته الخاصة والعامة([4]) :

حرصه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم:
كان الشيخ رحمه الله حريصا كل الحرص في اتباع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه وكان يعمل بالحديث اذا ثبت صحته وما كان يتعصب لمذهب معين مع حبه وتقديره لأئمة المذاهب وغيرهم من العلماء والفقهاء .

عبادته:
يمكن القول أن وقت الشيخ رحمه الله كله كان مستغرقا في العبادة ما بين صلاة وقراءة القرآن وقراءة كتب العلم والذكر فعلى سبيل المثال يقوم في الثلث الأخير من الليل ثم يقوم لصلاة الفجر وبعدها يجلس للقراءة إلى آذن الفجر وبعد صلاة الفجر يجلس في مصلاه في المسجد يقرأ ويذكر الله ثم يصلي ركعتي الشروق ثم يرجع إلى البيت وفي الغالب يواصل القراءة  إلى وقت الضحى ثم يأخذ نوم القيلولة قبل صلاة الظهر ، وبعد صلاة العصر يجلس في مصلاه في المسجد إلى صلاة العشاء يقرأ كتب العلم وخاصة كتب الحديث وفي أثناء جلوسه في المسجد يأتيه طلاب العلم ويقرؤوا عليه كل حسب تخصصه ورغبته ،وقد قرأت عليه أنا شخصيا صحيح البخاري كاملا وختمته عليه في جامع الدكتور محمد المسعودي بحي الغسالة بمكة في يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر بتاريخ 9/12/1428 الموافق 27/4/2007،وكان معي في هذه الخدمة العم شيخ اسماعيل محمد والذي يعد من أعز أصحاب سخينا الشريف ويعرف عنه الكثير وخاصة في نشأته والبيئة التي ترعرع بها ([5]) .

فقهه:
كان الشيخ رحمه الله حافظا وفقيها وورعا كان يستدل بالنص من القرآن والسنة النبوية وآثار الصحابة، وكان لديه ملكة فائقة وعجيبة في استنباط الأحكام من النصوص ،وكان لا يتعصب لمذهب معين وإنما يتبع الدليل الصحيح أينما وجد ,وكان معجبا بكتب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وعكف عليها في العقدين الأخيرين من حياته، وقرأ كلها تقريبا ،كما كان يلازم كثيرا في قراءة صحيح البخاري.

قول الحق وعدم خوفه في الله لومة لائم:
كان يقول كلمة الحق مهما يكون الأمر وكان لا يخاف في الله لومة لائم وكان لا ينظر إلى أي اعتبار آخر سياسي قبلي حزبي ….الخ غير اتباع الحق وتبيانه للناس والذي يرجع إلى فتاويه ومواقفه الكثيرة حول الأحداث التي تتعلق بالصومال أو بالأمة الإسلامية بشكل عام سيجد مصداق هذا القول.

قوة الذاكرة والحفظ:
مما امتن الله على شيخنا الشريف – رحمه الله-  قوة الحفظ والذاكرة ،حيث كان يتمتع بذاكرة قوية في حفظ النصوص وعزو الأقوال إلى قائلها ؛فكان يحفظ بالقراءة أو النظرة الواحدة مع عدم نسيانه-وما آفة العلم إلا نسيانه- فكثيرا ما كان يحدثنا بالأحداث التي عاصرها في أماكن مختلفة أذكر أنه حدثنا في رحلته إلى طلب العلم مشيا من الصومال إلى السودان حتى انتهى الأمر به إلى الأزهر  يحدثنا عن الرعاة الذين مر بهم في الطريق بالسودان والحديث الذي دار بينه وبينهم، وكذلك الأحداث وقعت في مصر من الاحدث العلمية والعامة من بينها خطب جمال عبد الناصر وكانه يحدثك عن أحداث وقعت بالأمس القريب ، أما حفظه للعلم فكان آية ما تأتي بيت شعر من الشعر الجاهلي أو عصر من عصور التاريخ الإسلامي إلا يكمل لك الشطر الثاني ويذكر لك معناه وقائله والمناسبة التي قيلت([6]) ، وكان يستدل في دروسه ومحاضراته بالنصوص والشعر من حفظه والحكم وفي بعض الأحيان يذكر ما يوافق هذا المعنى من الشعر الصومالي وخاصة أشعار المجاهد السيد محمد عبد الله حسن رحمه الله ،أما حفظه للقرآن والسنة والفقه وفنون اللغة العربية فهذا مما يعرف عنه الداني والقاصي .

الصمت وضبط اللسان:
لا أبالغ إن قلت أني لم أر في حياتي مثل شيخنا  شريف عبد النور رحمه الله تعالى في صمته وضبطه للسانه وتطبيقه لحديث النبي صلى عليه وسلم :(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيقل خيرا أو ليصمت)، فقد تجلس الساعات الطوال عنده ولا يكلمك وهو منشغل في قراءته اللهم إذا احتاج منك أن تناوله كتابا أو تحضره له من المكتبة ،ولكنه كثيرا ما يفاتحك في الكلام ويشركك معه في الفوائد والدرر التي يقرئها فيستفيد منه طلابه المسألة وتفريعاتها .

تركه فيما يعينه:
كان شيخنا شريف رحمه الله بعيدا كل البعد عن الانشغال فيما لا فائدة فيه والدخول فيما لا يعيينه ،وكان سلوكه تجسيدا بحديث الرسول صلى عليه وسلم: (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ولم يكن لديه أصلا وقتا زائدا ينشغل فيه ما لا فائدة منه؛ حيث كان يقوم باستغلال كل وقته في التدريس ومطالعة العلم والقراءة والذكر حتى في الأوقات التي يكون  في مهمات أخرى لا يسقط الكتاب من يده ويقرأ كل ما سحمت له الفرصة مثل انتظار الطبيب وكان يقوم بملأ الفراغات في المناسبات العامة بشرح حديث أو توضيح مسألة أو توجيه كلمة للحضور، وفي بعض الأحيان يوقف القراءة ويلتفت إلى من عنده في مجلسه فيشركه في مسألة أو فائدة أعجبته ،ولله دره كم اتحفنا من درر ونوادر قل أن تجدها عند غيره .

سلامة صدره وحبه لجميع المسلمين:
من الصفات التي اتصف بها الشيخ رحمه الله سلامة الصدر فلم أر يوما يحمل كرها أو بغضا أو ضغينة لأي أحد من الناس ،وإذا بلغه أن أحدا تعرض له بنقد أو بأي شيء آخر تجده أن الأمر لا يعينه ولا يغير من جلسته ويستمر في برامجه الذي هو فيه من قراءة  ودرس وغيرها ولا تراه وجد في نفسه شيئا ،لا يدافع عن نفسه ولا يتعرض لناقده ، وأذكر في هذا المقام أني كنت معه في مجلس فنقل أحد الحاضرين أن احد المشايخ الذين لم يلتقوا مع شيخ الشريف ينتقدوه ويبدعوه فلم يلتفت إليه وكان الأمر لا يعنيه واستمر في برامجه الذي كان فيه ، وأنا متأكد لو أن كل العلماء تعاملوا مع الطلاب الذين ينقلون الأخبار والردود بين العلماء ويسببون الوقيعة فيما بينهم لخمدت فتن كثيره في مهدها .

زهده:
كان رحمه الله زاهدا في نفسه وفي طعامه وملبسه ومسكنه ,ولا يستشرف للمال والجاه ،وما كان يحمل هم الدنيا لا يسأل عنها ولا يفرح بالحصول عليها ،وإذا أهدي إليه احد شيئا من المال يأخذ ويقبل منه حتى ولو كان زهيدا ليس حبا في المال وإنما بالعمل بالحديث الذي في الصحيحين:  (وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) ، ويصرف ما يهدي إليه من المال في اقتناء الكتب وقد يشتري الكتاب أكثر من مرة في حالة ظهور الطبعات الجديدة ويهدي النسخ القديمة لطلابه

عدم التعصب لأي حزب ولأي جماعة:
كان الشيخ رحمه الله يلقى قبولا عاما منقطع النظير من كافة شرائح المجتمع الصومالي فكان يصدق عليه بالنسبة لهم قول الشاعر :

إذا قالت حذام فصدقوها    فإن القول ما قالت به حذام

وذلك لتجرده عن التعصب لأي حزب أو جماعة أو قبيلة أو لمذهب معين ،وإنما يتبع الدليل الصحيح للكتاب والسنة ويفتي الناس على أساسهما ،وكان يربي طلابه على اتباع السنة بعيدا عن أي اعتبار آخر

حرصه على ائتلاف كلمة المسلمين:
كان رحمه الله يحث على ائتلاف كلمة المسلمين ويحذر عن الاختلاف من خلال المحاضرات والكلمات والفتاوي ، وأذكر في هذا المقام أنه ورد عليه اتصالات وأسئلة عديدة وأنا جالس معه من المراكز الإسلامية للجاليات الصومالية في الغرب في مناسبات مختلفة وكذلك عندما كان يلقي عليهم محاضرات في حملاتهم في مواسم الحج؛ فكان ينصحهم دائما بالابتعاد عن التفرق والتنازع لما يترتب على هذا الاختلاف من مفاسد عظيمة وضياع كلمتهم ووحدتهم ، وبما يعكس صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين وتكونوا سببا في منع دخول الناس في دين الله ؛فنبيغي أن تكونوا قدوة في افعالكم قبل أقوالكم ،وكان من الأسئلة التي تكرر عليه من قبل مراكز الجاليات الإسلامية في الغرب :أنهم كيف يتعاملوا مع اختلافات العالم الإسلامي على بداية مطلع شهر رمضان فكان يقول لهم دائما: يجب أن يكون لكم مجلس موحد يديره العلماء تكون مهمته جمع الناس على كلمة واحدة في فريضة الصوم وفي غيره، وأذكر في هذا المقام أنه زاه وفد من قيادات المحاكم الإسلامية بعد أن اخرجوا من مقديشو في موسم الحج من بيهم شيخ شريف شيخ أحمد والشيخز حسن طاهر أويس والدكتور عمر إيمان فطلبوا منه النصح فقال لهم كلمتين :عليكم بتقوى الله والبعد عن الاختلاف والاهتمام بتربية الشباب على الكتاب والسنة ،وكان مواقفه تجاه قضايا المسلمين ثابتة وغير متقلبة حسب الأحداث وكان متفائلا ومتيقنا بوعد الله   على نصر الله لعبادة المؤمنين.

السعادة الدائمة لملازمته بالذكر والقراءة:
من الصفات التي كنت أغبط على الشيخ رحمه الله  اتصافه بانشراح البال الدائم لملازمته الذكر ومذاكرة العلم واستغلال وقته مما يرجع له بالنفع ، ولا شك أن الشيخ كأي إنسان كان تمر عليه مواقف يتحرج منها ويكرهها لكن يمتلك ملكة فائقة وقوية في ضبط نفسه وشعوره لأنه كان في جميع أحواله مقبلا على الله ،ومن كان حاله هكذا فإن الله يعينه .

اهتمامه في أمر وأضاع المسلمين:
كان يهتم كثيرا في أحوال المسلمين ويتألم بآلامهم ،وكان يسأل طلابه عن أخبار المسلمين وأوضاعهم وبالأخص في المناطق والبلدان التي تتعرض بالحروب والكوارث وكان يحزن لمصابهم ويدعوا لهم بالنصر والفرج ،وإذا بشر بأخبار سارة من اجتماع كلمة المسلمين في بلد معين أو حصولهم على نصر كان يفرح كثيرا ،كما أنه إذا نقل عكس هذه الأخبار كان يحزن كثيرا ويطير عنه النوم ، أذكر في هذا المقام أني سَمعته شعرا يصف الأوضاع الصعبة التي كان يعيشها أهالي منطقة أوجادين الصومالية وذلك قبل خمس عشر عاما تقريبا فوجدته بعد أن استمع إلي تلك الأبيات تذرف عيناه بالدموع .

الهوامش:
([1])   استفدت في كتابة هذه الترجمة من زوجته أم محمد ، نفيسة بنت شيخ عبد الله ،وكذلك ابنه محمد شريف عبد النور وخاصة فيما يتعلق بضبط التواريخ والمراحل التي بها الشيخ في حياته العلمية والعملية ،كما استفدت من الترجمة كتبها الاخ الاستاذ تركي الفضل في حياة الشيخ ،بالإضافة إلى ما ذكره الشيخ لي مشافهة في صحبتى الطويلة معه وأذكر في هذا المقام أنه سلم لي مرة سيرته الذاتية بخط يده في حدود الصفحتين ولكن للأسف ضاعت منى مع ازدحام الأوراق .

([2])   روي لي هذه القصة من الشيخ الشريف الشيخ اسماعيل محمد الذي يعد من طلاب وأحباب وأصدقاء الشيخ وقد تربوا وترعرعوا  في بيئة ومنقطة واحدة ، وقال لي أن الشيخ ذكر له مشافهة.

([3])   قد يتوهم البعض أن الشيخ ترك الوظيفة في الفترة قضاها في السعودية للدراسة (1984-1988) ، وإنما كانت إجازة للدراسة بدليل أنه عندما رجع من السعودية في عام 19988 باشر وظيفته من جديد . .

([4])   كانت هذه الفترة من 1418هـ إلى 1428هـ ، أما العشر السنوات أو العقد الذي بعدها (1428- 1438هـ) فكنت أسكن معه في مكة المكرمة أيضا وأقوم بزيارته بين فينة وأخرى.

([5]) كذلك من أبز طلاب ومحبي الشيخ الشريف في مكة المكرمة  الشيخ عبد الكريم على فارح المدرس في دار الحديث الخيرية في مكة المكرمة ،والدكتور أحمد الإمام ، والأخ عبد الرحمن شيخ محمد الذي كان يلبقه الشيخ بالمغربي أو الكندي، ويعد الاستاذ تركي الفضلى من أبرز الطلاب السعوديين الذين استفادوا من الشيخ ،وهو الذي كتب ترجمة الشيخ المنتشرة في المواقع الالكترونية .

([6])   قرأت عليه المعلقات السبعة فكان يشرح لي شرحا وافيا وكان يحفظها مثل حفظه للقرآن.

 

عن islamadmin

شاهد أيضاً

الرئيس الصومالي يبحث العلاقات مع نظيره المصري هاتفيا

مقديشو (الاصلاح اليوم) – أجرى رئيس الجمهورية محمد عبدالله فرماجو، أمس الاثنين، اتصالا هاتفيا مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *