المقالات

نبذة مختصرة من ترجمة الشيخ العلامة الشريف عبد النور

نبذة من ترجمة الشيخ العلامة الشريف عبد النور

 د. محمد عبده آدم:  أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القري بمكة المكرمة

اسمه وكنيته : أبو محمد  الشريف عبد النور ابن شريف حسن ابن شريف آدم:

نسبه: يرجع نسب الشيخ إلى الأشراف وإلى آل المقبولي الذين يرجعون إلى حسن بن علي رضى الله عنهما ،وأمه من قبلية الأوجادين ؛ فخذ أوجاس كوشن من بطن العبدله (بفتح الدال المعجمة).

مولده ونشأته:

ولد الشيخ في عام 1941 في منقطة وادي داختو”daakhate” بالقرب من مدينة فيق في منطقة الصومال الغربي (أوجادين) ،وعندما بلغ العاشرة من عمره انتقل مع أهله إلى منقطة بالي ،وفي هذه المرحلة تعلم مبادي الكتابة وحفظ القرآن وبعض متون الفقه الشافعي والنحو على يد اخيه الكبير شريف عبد الله شريف حسن.

طلبه للعلم ([1]) :

المرحلة الأولى:

 طلب العلم في المراكز العلمية في القرن الإفريقي:

بعد أن حفظ القرآن وحفظ مختصرات الفقه الشافعي والنحو رحل في طلب العلم بتوصية من أمه حيث ذكر الشيخ أن أمه نصحته أن يرحل في طلب العلم وقالت له : “يا بني ارتحل في طلب العلم والعلا وإلا ستكون راعيا كبقية أقرانك من الشباب”([2])، ولعل رحمها الله نصحت ولدها بهذه النصيحة لما رأت منه من الذكاء والنباهة مع ما فيها من عاطفة الأم على ولدها وحبها للخير كله له، وكان من ابرز العلماء الذين تلقى العلم عنهم وخاصة علوم اللغة العربية (النحو والصرف) والفقه الشافعي في هذه المرحلة  :

الشيخ أحمد بارود
الشيخ حسن معلم على (حسن المريحاني)
الشيخ على جوهر.
الشيخ  الأماديني.
وبعد أن تلقى العلم على يد العلماء انتقل إلى مدينة هرر والتي كانت من أبرز المراكز العلمية في منطقة القرن الإفريقي لتلقي العلم على يد علمائها ولم أتعرف على اسماء المشايخ الذين أخذ عنهم في مدنية هرر .

المرحلة الثانية:

رحلته إلى مصر لالتحاق جامعة الأزهر:

بعد أن طاف على أبرز المراكز العلمية في القرن الإفريقي وحاز على معظم العلوم من تلك المراكز عزم الشيخ مع بعض زملائه على مواصلة الرحلة في طلب العلم ،ولكن الرحلة تكون في هذه المرة إلى خارج الوطن وإلى مركز من أبرز المراكز العالمية لنشر العلوم الشرعية هو الجامع الأزهر وذلك في عام 1959،وقد ذهبوا مشيا إلى السودان ومنها ركبوا القطار وبعدها ركبوا سفينة إلى مصر والتحق بكلية الشريعة وتخرج منها عام 1964، ثم واصل الدراسات العليا وحصل على الماجستير في أصول الفقه .

المرحلة الثالثة :العمل والنتاج العملي:

وفي أوائل عام 1972م عاد إلى الصومال، وتعين فور وصوله كموظف حكومي والتحق بمعهد حلنى الذي كان بمثابة تأهيل وتدريب الموظفين للدائر الحكومية واستمر هذا التأهيل لمدة تسعة أشهر ، ثم التحق بعدها كتدريب إجباري آخر للموظفين إلى مدرسة الشرطة واستمر فيها مدة ستة أشهر لتعليم اللغة الإنجليزية ولتلقي بعض التعليمات والمهارات الأخرى.

في عام 1973 تعين في المطبعة الوطنية لمراجعة المناهج ، ولم يمكث فيها طويلا ،وفي هذا العام نفسه تم تعيينه في معهد المعلمين ، ثم بعد فترة وجيزة انتقل من معهد المعلمين إلى رئيس قسم اللغة بكلية المعلمين (لفولي) واستمر على هذه الوظيفة حتي سقوط الدولة الصومالية في عام 1991م ([3]) .

جهوده العلمية والدعوية في هذه المرحلة:

بعد أن انتقل الشيخ إلى كلية المعلمين بفولي والتي تبعد عن العاصمة خمسة عشر كيلو بدء بنشاط دعوي متميز وأحيا مسجد الكلية الذي كان مهجورا حيث بدأ درسا في السيرة النبوية من بعد العصر إلى المغرب ،وبعد نجاح درس السيرة النبوية بدأ منسوبي الكلية والأهالي المجاوبين يقيمون صلاة الجماعة في هذا مسجد لأول مرة ، وكان الشيخ يعقب بعد خطبة الجمعة محاضرة قيمة مشهودة ،وكان كثير من الطلبة يأتي من مقديشو لاستماع هذا المحاضرة التي لم يتعود الناس إلى مثلها من حيث الوعي وغزارة المعلومات .

ابتلاء الشيخ بالسجن:

وفي شهر فبراير 1975 تم القبض على الشيخ وأودع في السجن بدون أي تهمة أو ذنب من قبل الحكومة الشيوعية التي كانت تتخوف من أي نشاط إسلامي ومكث في السجن لمدة تسعة أشهر ، وبعد أطلاق سراحه عاد إلى وظيفته وأستأنف جميع أعماله في الكلية ودروسه العلمية من جديد واستمر على المنوال حتى عام 19983م

وفي عام 1984م التحق بجامعة الملك سعود وأخد دبلوم عالي في اللغة والتربية ،وبعدها مباشرة وفي عام 1986 انتقل إلى مكة المكرمة والتحق بالمعهد العالي لتدريب الأئمة والدعاة التابع لرابطة العالم الإسلامي وأخذ منه دبلوما عاليا في الدعوة .

في هذه الفترة التي قضى فيها في السعودية (1984-1988) أقام في جدة فترة من الزمن بعد أن أنهى دراسته في معهد الرابطة ،وقام في هذه الفترة بإلقاء دوس عملية للجالية الصومالية في جدة وتم تسجيل الجزء الأكبر من كتب الحديث والتراث (الصحيحين والسنن) التي استفاد منها الصوماليون في إنحاء العالم فيما بعد ,وكان للشيخ أحمد جمعالي الجهد الأكبر في تسجيل تلك الكتب من الشيخ وحفظها ونشرها.

شيخ الصحوة الإسلامية في الصومال

في عام 1988 عاد إلى الصومال وباشر عمله في كلية المعلمين وأخذت دعوته بعدا جديدا في هذه المرحلة ؛حيث أنه بعد أن رجع الشيخ من السعودية في عام 1988 نقل دعوته من إطار منطقة لفولي التي تقع فيها كلية المعلمين إلى عمق العاصمة مقديشو ،وبدأ بتدريس حلقات علمية في مساجد مختلفة من أبرزها : حلقة صحيح البخاري في مسجد الرحمة بحي المدينة ، وحلقة أصول الفقه في مسجد مرواس.

في هذه المرحلة انتشر صيته وظهر مستوى علمه بين طلاب العلم من خلال الدروس العلمية في مقديشو بعد عودته من السعودية ومن خلال انتشار الأشرطة التي القاها للجالية الصومالية بالملكة العربية السعودية.

وفي الشهر التاسع من عام 1993 تعرض الشيخ لإصابة إطلاق نار في الرقبة والكتف من قبل عصابة من قطاع الطرق وهو مجموعة من طلابه وهم راجعين من مهمة دعوية لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، وكان هدفهم أخذ السيارة التي كانت تقلهم وقد أخذو فعلا ،وقد تعافي الشيخ من هذه الإصابة ولكنها تركت أثرا بالغا في صحته.

في شهر أكتوبر 1995 تعرض الشيخ بجلطة وشلل جزئي في الجانب الأيسر، وبعدها نقل إلى السعودية و وتعافي بعد تلقي العلاج نسبيا من آثار الشلل ولكن ما زال آثره باقيا .

في عام 1997 عاد إلى الصومال وجلس فيها إلى نهاية 1998م، وفي مطلع عام 1999 الموافق بـ 17/9/ 1419هـ رجع إلى السعودية ومكث فيها حتى وفاته ، وكان يلقي دروسا علمية خلال هذه المدة للجالية الصومالية في مكة المكرمة كان من أبرزها صحيح البخاري وصحيح السيرة النبوية وكتاب نيل الأوطار والشمائل المحمدية وبعض كتب مصطلح الحديث ، كما كان يلقي محاضرات متميزة عن مناسج الحج للحجاج الصوماليين القادمين من مختلف قارات العالم.

وفاته:

توفي – رحمه الله – في صباح الخميس بتاريخ 12 شوال 1438هـ الموافق 6/7/2017م  في مكة المكرمة في منزله الكائن تحت جبل حراء حيث قبض ملك الموت روح شريف عبد النور في المكان الذي نزل فيه النور وانطق منه حتى عم العالم كله بعد أن ساهم مساهمة كبيرة في نشر هذا النور وتوصيله إلى بلاد الصومال وما جاورها ،وصلى عليه في المسجد الحرام في ليلة الجمعة ودفن في مقابر المعلا بالحجون بجوار قبور الصحابة رضوان الله عليهم والذين من أبرزهم  قبر أم المؤمنين خديجة بنت الخويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم وحبيبته رضي عنها .

ترك زوجة وثمانية من الأولاد ؛ولدين وستة بنات .

موت العالم موت للعالم:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” إن الله لا يبقض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا “ متفق عليه .

قال النووي رحمه الله : ” هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم ليس هو محوه من صدور حفاظه ، و لكن معناه : أن يموت حملته و يتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالاتهم فيضلون و يضلون ” شرح مسلم 1/223

العلماء هم ورثة الأنبياء ،وهم نجوم يهتدى بهم في الظلماء،و معالم يقتدى بهم في البيداء،أقامهم الله تعالى حماة للدين،ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين،و لولاهم – بتوفيق من الله لهم- لطمست معالمه ، و انتكست أعلامه .

ويقول الإمام ابن قيم الجوزية-رحمه الله- في شأن العلماء الرَّبانيين- هم : (ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم ، وهم القائمون بما بعثوا به علماً وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طرقهم ومنهاجهم ، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة …وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في العلم وهم الوسائط بين الرسول وأمته فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه..

صفات الشيخ الشريف عبد النور رحمه الله:

كان الشيخ شريف عبد النور – رحمه الله – عالما ربانيا يتصف بصفات سامية ويتمتع بأخلاق العلماء وصفات العظماء ،وقد اجتمعت له خصال حميدة عديدة لو اتصف بها شخص ما بخصلة واحدة من هذه الخصال لعد من النبلاء وفيما يلي نعرض نبذة مختصرة عن صفاته حسب ما ظهر لي خلال فترة ملازمتى له والتي كانت نحو عشر سنوات سكنت أنا وإياه في مسكن واحد وتتلمذت عليه وعرفت عنه ما لا يعرف عنه الكثير من حياته الخاصة والعامة([4]) :

حرصه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم:
كان الشيخ رحمه الله حريصا كل الحرص في اتباع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه وكان يعمل بالحديث اذا ثبت صحته وما كان يتعصب لمذهب معين مع حبه وتقديره لأئمة المذاهب وغيرهم من العلماء والفقهاء .

عبادته:
يمكن القول أن وقت الشيخ رحمه الله كله كان مستغرقا في العبادة ما بين صلاة وقراءة القرآن وقراءة كتب العلم والذكر فعلى سبيل المثال يقوم في الثلث الأخير من الليل ثم يقوم لصلاة الفجر وبعدها يجلس للقراءة إلى آذن الفجر وبعد صلاة الفجر يجلس في مصلاه في المسجد يقرأ ويذكر الله ثم يصلي ركعتي الشروق ثم يرجع إلى البيت وفي الغالب يواصل القراءة  إلى وقت الضحى ثم يأخذ نوم القيلولة قبل صلاة الظهر ، وبعد صلاة العصر يجلس في مصلاه في المسجد إلى صلاة العشاء يقرأ كتب العلم وخاصة كتب الحديث وفي أثناء جلوسه في المسجد يأتيه طلاب العلم ويقرؤوا عليه كل حسب تخصصه ورغبته ،وقد قرأت عليه أنا شخصيا صحيح البخاري كاملا وختمته عليه في جامع الدكتور محمد المسعودي بحي الغسالة بمكة في يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر بتاريخ 9/12/1428 الموافق 27/4/2007،وكان معي في هذه الخدمة العم شيخ اسماعيل محمد والذي يعد من أعز أصحاب سخينا الشريف ويعرف عنه الكثير وخاصة في نشأته والبيئة التي ترعرع بها ([5]) .

فقهه:
كان الشيخ رحمه الله حافظا وفقيها وورعا كان يستدل بالنص من القرآن والسنة النبوية وآثار الصحابة، وكان لديه ملكة فائقة وعجيبة في استنباط الأحكام من النصوص ،وكان لا يتعصب لمذهب معين وإنما يتبع الدليل الصحيح أينما وجد ,وكان معجبا بكتب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وعكف عليها في العقدين الأخيرين من حياته، وقرأ كلها تقريبا ،كما كان يلازم كثيرا في قراءة صحيح البخاري.

قول الحق وعدم خوفه في الله لومة لائم:
كان يقول كلمة الحق مهما يكون الأمر وكان لا يخاف في الله لومة لائم وكان لا ينظر إلى أي اعتبار آخر سياسي قبلي حزبي ….الخ غير اتباع الحق وتبيانه للناس والذي يرجع إلى فتاويه ومواقفه الكثيرة حول الأحداث التي تتعلق بالصومال أو بالأمة الإسلامية بشكل عام سيجد مصداق هذا القول.

قوة الذاكرة والحفظ:
مما امتن الله على شيخنا الشريف – رحمه الله-  قوة الحفظ والذاكرة ،حيث كان يتمتع بذاكرة قوية في حفظ النصوص وعزو الأقوال إلى قائلها ؛فكان يحفظ بالقراءة أو النظرة الواحدة مع عدم نسيانه-وما آفة العلم إلا نسيانه- فكثيرا ما كان يحدثنا بالأحداث التي عاصرها في أماكن مختلفة أذكر أنه حدثنا في رحلته إلى طلب العلم مشيا من الصومال إلى السودان حتى انتهى الأمر به إلى الأزهر  يحدثنا عن الرعاة الذين مر بهم في الطريق بالسودان والحديث الذي دار بينه وبينهم، وكذلك الأحداث وقعت في مصر من الاحدث العلمية والعامة من بينها خطب جمال عبد الناصر وكانه يحدثك عن أحداث وقعت بالأمس القريب ، أما حفظه للعلم فكان آية ما تأتي بيت شعر من الشعر الجاهلي أو عصر من عصور التاريخ الإسلامي إلا يكمل لك الشطر الثاني ويذكر لك معناه وقائله والمناسبة التي قيلت([6]) ، وكان يستدل في دروسه ومحاضراته بالنصوص والشعر من حفظه والحكم وفي بعض الأحيان يذكر ما يوافق هذا المعنى من الشعر الصومالي وخاصة أشعار المجاهد السيد محمد عبد الله حسن رحمه الله ،أما حفظه للقرآن والسنة والفقه وفنون اللغة العربية فهذا مما يعرف عنه الداني والقاصي .

الصمت وضبط اللسان:
لا أبالغ إن قلت أني لم أر في حياتي مثل شيخنا  شريف عبد النور رحمه الله تعالى في صمته وضبطه للسانه وتطبيقه لحديث النبي صلى عليه وسلم :(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيقل خيرا أو ليصمت)، فقد تجلس الساعات الطوال عنده ولا يكلمك وهو منشغل في قراءته اللهم إذا احتاج منك أن تناوله كتابا أو تحضره له من المكتبة ،ولكنه كثيرا ما يفاتحك في الكلام ويشركك معه في الفوائد والدرر التي يقرئها فيستفيد منه طلابه المسألة وتفريعاتها .

تركه فيما يعينه:
كان شيخنا شريف رحمه الله بعيدا كل البعد عن الانشغال فيما لا فائدة فيه والدخول فيما لا يعيينه ،وكان سلوكه تجسيدا بحديث الرسول صلى عليه وسلم: (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ولم يكن لديه أصلا وقتا زائدا ينشغل فيه ما لا فائدة منه؛ حيث كان يقوم باستغلال كل وقته في التدريس ومطالعة العلم والقراءة والذكر حتى في الأوقات التي يكون  في مهمات أخرى لا يسقط الكتاب من يده ويقرأ كل ما سحمت له الفرصة مثل انتظار الطبيب وكان يقوم بملأ الفراغات في المناسبات العامة بشرح حديث أو توضيح مسألة أو توجيه كلمة للحضور، وفي بعض الأحيان يوقف القراءة ويلتفت إلى من عنده في مجلسه فيشركه في مسألة أو فائدة أعجبته ،ولله دره كم اتحفنا من درر ونوادر قل أن تجدها عند غيره .

سلامة صدره وحبه لجميع المسلمين:
من الصفات التي اتصف بها الشيخ رحمه الله سلامة الصدر فلم أر يوما يحمل كرها أو بغضا أو ضغينة لأي أحد من الناس ،وإذا بلغه أن أحدا تعرض له بنقد أو بأي شيء آخر تجده أن الأمر لا يعينه ولا يغير من جلسته ويستمر في برامجه الذي هو فيه من قراءة  ودرس وغيرها ولا تراه وجد في نفسه شيئا ،لا يدافع عن نفسه ولا يتعرض لناقده ، وأذكر في هذا المقام أني كنت معه في مجلس فنقل أحد الحاضرين أن احد المشايخ الذين لم يلتقوا مع شيخ الشريف ينتقدوه ويبدعوه فلم يلتفت إليه وكان الأمر لا يعنيه واستمر في برامجه الذي كان فيه ، وأنا متأكد لو أن كل العلماء تعاملوا مع الطلاب الذين ينقلون الأخبار والردود بين العلماء ويسببون الوقيعة فيما بينهم لخمدت فتن كثيره في مهدها .

زهده:
كان رحمه الله زاهدا في نفسه وفي طعامه وملبسه ومسكنه ,ولا يستشرف للمال والجاه ،وما كان يحمل هم الدنيا لا يسأل عنها ولا يفرح بالحصول عليها ،وإذا أهدي إليه احد شيئا من المال يأخذ ويقبل منه حتى ولو كان زهيدا ليس حبا في المال وإنما بالعمل بالحديث الذي في الصحيحين:  (وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) ، ويصرف ما يهدي إليه من المال في اقتناء الكتب وقد يشتري الكتاب أكثر من مرة في حالة ظهور الطبعات الجديدة ويهدي النسخ القديمة لطلابه

عدم التعصب لأي حزب ولأي جماعة:
كان الشيخ رحمه الله يلقى قبولا عاما منقطع النظير من كافة شرائح المجتمع الصومالي فكان يصدق عليه بالنسبة لهم قول الشاعر :

إذا قالت حذام فصدقوها    فإن القول ما قالت به حذام

وذلك لتجرده عن التعصب لأي حزب أو جماعة أو قبيلة أو لمذهب معين ،وإنما يتبع الدليل الصحيح للكتاب والسنة ويفتي الناس على أساسهما ،وكان يربي طلابه على اتباع السنة بعيدا عن أي اعتبار آخر

حرصه على ائتلاف كلمة المسلمين:
كان رحمه الله يحث على ائتلاف كلمة المسلمين ويحذر عن الاختلاف من خلال المحاضرات والكلمات والفتاوي ، وأذكر في هذا المقام أنه ورد عليه اتصالات وأسئلة عديدة وأنا جالس معه من المراكز الإسلامية للجاليات الصومالية في الغرب في مناسبات مختلفة وكذلك عندما كان يلقي عليهم محاضرات في حملاتهم في مواسم الحج؛ فكان ينصحهم دائما بالابتعاد عن التفرق والتنازع لما يترتب على هذا الاختلاف من مفاسد عظيمة وضياع كلمتهم ووحدتهم ، وبما يعكس صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين وتكونوا سببا في منع دخول الناس في دين الله ؛فنبيغي أن تكونوا قدوة في افعالكم قبل أقوالكم ،وكان من الأسئلة التي تكرر عليه من قبل مراكز الجاليات الإسلامية في الغرب :أنهم كيف يتعاملوا مع اختلافات العالم الإسلامي على بداية مطلع شهر رمضان فكان يقول لهم دائما: يجب أن يكون لكم مجلس موحد يديره العلماء تكون مهمته جمع الناس على كلمة واحدة في فريضة الصوم وفي غيره، وأذكر في هذا المقام أنه زاه وفد من قيادات المحاكم الإسلامية بعد أن اخرجوا من مقديشو في موسم الحج من بيهم شيخ شريف شيخ أحمد والشيخز حسن طاهر أويس والدكتور عمر إيمان فطلبوا منه النصح فقال لهم كلمتين :عليكم بتقوى الله والبعد عن الاختلاف والاهتمام بتربية الشباب على الكتاب والسنة ،وكان مواقفه تجاه قضايا المسلمين ثابتة وغير متقلبة حسب الأحداث وكان متفائلا ومتيقنا بوعد الله   على نصر الله لعبادة المؤمنين.

السعادة الدائمة لملازمته بالذكر والقراءة:
من الصفات التي كنت أغبط على الشيخ رحمه الله  اتصافه بانشراح البال الدائم لملازمته الذكر ومذاكرة العلم واستغلال وقته مما يرجع له بالنفع ، ولا شك أن الشيخ كأي إنسان كان تمر عليه مواقف يتحرج منها ويكرهها لكن يمتلك ملكة فائقة وقوية في ضبط نفسه وشعوره لأنه كان في جميع أحواله مقبلا على الله ،ومن كان حاله هكذا فإن الله يعينه .

اهتمامه في أمر وأضاع المسلمين:
كان يهتم كثيرا في أحوال المسلمين ويتألم بآلامهم ،وكان يسأل طلابه عن أخبار المسلمين وأوضاعهم وبالأخص في المناطق والبلدان التي تتعرض بالحروب والكوارث وكان يحزن لمصابهم ويدعوا لهم بالنصر والفرج ،وإذا بشر بأخبار سارة من اجتماع كلمة المسلمين في بلد معين أو حصولهم على نصر كان يفرح كثيرا ،كما أنه إذا نقل عكس هذه الأخبار كان يحزن كثيرا ويطير عنه النوم ، أذكر في هذا المقام أني سَمعته شعرا يصف الأوضاع الصعبة التي كان يعيشها أهالي منطقة أوجادين الصومالية وذلك قبل خمس عشر عاما تقريبا فوجدته بعد أن استمع إلي تلك الأبيات تذرف عيناه بالدموع .

الهوامش:
([1])   استفدت في كتابة هذه الترجمة من زوجته أم محمد ، نفيسة بنت شيخ عبد الله ،وكذلك ابنه محمد شريف عبد النور وخاصة فيما يتعلق بضبط التواريخ والمراحل التي بها الشيخ في حياته العلمية والعملية ،كما استفدت من الترجمة كتبها الاخ الاستاذ تركي الفضل في حياة الشيخ ،بالإضافة إلى ما ذكره الشيخ لي مشافهة في صحبتى الطويلة معه وأذكر في هذا المقام أنه سلم لي مرة سيرته الذاتية بخط يده في حدود الصفحتين ولكن للأسف ضاعت منى مع ازدحام الأوراق .

([2])   روي لي هذه القصة من الشيخ الشريف الشيخ اسماعيل محمد الذي يعد من طلاب وأحباب وأصدقاء الشيخ وقد تربوا وترعرعوا  في بيئة ومنقطة واحدة ، وقال لي أن الشيخ ذكر له مشافهة.

([3])   قد يتوهم البعض أن الشيخ ترك الوظيفة في الفترة قضاها في السعودية للدراسة (1984-1988) ، وإنما كانت إجازة للدراسة بدليل أنه عندما رجع من السعودية في عام 19988 باشر وظيفته من جديد . .

([4])   كانت هذه الفترة من 1418هـ إلى 1428هـ ، أما العشر السنوات أو العقد الذي بعدها (1428- 1438هـ) فكنت أسكن معه في مكة المكرمة أيضا وأقوم بزيارته بين فينة وأخرى.

([5]) كذلك من أبز طلاب ومحبي الشيخ الشريف في مكة المكرمة  الشيخ عبد الكريم على فارح المدرس في دار الحديث الخيرية في مكة المكرمة ،والدكتور أحمد الإمام ، والأخ عبد الرحمن شيخ محمد الذي كان يلبقه الشيخ بالمغربي أو الكندي، ويعد الاستاذ تركي الفضلى من أبرز الطلاب السعوديين الذين استفادوا من الشيخ ،وهو الذي كتب ترجمة الشيخ المنتشرة في المواقع الالكترونية .

([6])   قرأت عليه المعلقات السبعة فكان يشرح لي شرحا وافيا وكان يحفظها مثل حفظه للقرآن.

 

الإخوان المسلمون بعد ستة وستون عاما من استشهاد الإمام (( 1 ))

الإخوان المسلمون  بعد ستة وستون عاما من استشهاد الإمام (( 1 ))سؤال لم يبحث عن إجابته أحد من الباحثين في العلوم السياسية أو الاجتماعية طوال أكثر من نصف قرن، وهو .. لماذا بقي إسم حسن البنا شاغلا كل هؤلاء في الوقت الذي اختفت فيه تماما ذكرى زعماء وقادة وفلاسفة شغلوا الدنيا طوال حياتهم وسنوات بعد مماتهم وكل منهم أقام دولة أو إمبراطورية وكلهم عاصروا شهيدنا حسن البنا من أمثال لينين وتروتيسكي وستالين وماوتسيتونج وموسيليني وهتلر وتيتو وجلادستون، ومع الفارق فلعلنا نشير إلى صاحب التاريخ المجيد المهاتما غاندي، وكلهم خارج الإطار العربي أو الإسلامي.

          وفي داخل هذا الإطار عاصر زمانه قادة ظنوا كما ظن أتباعهم أنهم نهاية التاريخ من أمثال سوكارنو وجمال عبد الناصر وميشيل عفلق وغيرهم ممن لم تعد لهم في أوراق التاريخ ذكرى بعد أن تبين أنهم أقاموا دولهم وأفكارهم على أوهام كاذبة لم تصمد أمام رياح الدفع البشري.

          السؤال المنصف لا يغفل عن ذكر زعماء ومصلحين ومفكرين في كل الدنيا كانت لهم بفضل الله أيادي بيضاء على البشر داخل الإطار العربي والإسلامي من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والإمام المودودي والشاعر محمد إقبال ومالك بن نبي والبشير الإبراهيمي ومصطفى السباعي وسيد قطب وعزت بيجوفيتش، وتبقى مع ذلك ذكرى 12 فبراير / شباط 1949م التي ابتدأت برصاصات انطلقت بضغط أصابع النظام المصري المزروعة في أيدي أنظمة دولية ظنت (كظن كل عدو جاهل) أنها ستدفن تحت التراب فكر وجماعة حسن البنا، لتأتي الذكرى هذا العام وكل الدنيا بلا مبالغة بمراكز أبحاثها وهيئاتها الدبلوماسية والمخابراتية ومقدراتها الاقتصادية والبشرية تلهث للتعرف من جديد على جماعة الإخوان المسلمين وهياكلها وسياساتها وتوجهاتها وتماسك صفوفها، ودور الحرس القديم (على حد قولهم) وتناغم دور الشباب معهم وهل هناك فجوة أجيال أم أن الأحداث الساخنة في كل الساحات قد فتحت آفاقا جديدة وأفكارا ستؤثر على التماسك والصمود أمام الهجمة غير المسبوقة لطغيان الأنظمة، قد لا تتشابه مع ما حدث بعد اغتيال الإمام المؤسس وإن تشابهت في حدوثها بأصابع خائنة مزروعة في أيدي أنظمة دولية تظن كأي عدو جاهل ستنجح في ما فشل فيه غيرها قبل ستة وستون عاما.

          يبحثون الآن عن ما يتصورونه فجوة بين الأجيال الشابة في الجماعة الذين لم يعاصروا أزماتها وخصوصا في مصر مع الأنظمة الحاكمة في الدولة منذ الأربعينيات في القرن الماضي حتى الآن، أي بما يزيد عن الثمانين عاما من عمرها ومع الأجيال التي سبقتها، ويتم التركيز على الفكر والنقاط التي ستفتح أبواب هذه الفجوة، ويغفل الجميع عن أن إحدى الاعتراضات على الإمام الشهيد وبالتالي على فكره وجماعته أنه قد صاغ هذا الفكر وأقام الجماعة وخاض معاركها الداخلية والخارجية ولم يكن قبل بلغ عمره الأربعين، وهو السن الذي يعتبره البعض سن الرشد وتمام العقل الذي يسمح بالتنظير والقيادة، ويغيب عنهم أن إحدى أكبر نجاحات وتوفيق الله لهذا الإمام أنه قد بدأ عمله فتيا ثم شابا يملؤه الحماس وبطاقات الشباب وحكمة من عرفتهم الحياة والتجارب من الشيوخ، وكذلك كان إخوانه ومرافقوه ومن لحق بهم في حياته وبالإعجاز الرباني أجيال هم أكبر سنا منه وكان منهم واحدا من أساتذته في الدراسة والذي تخرج الإمام على يديه حتى إذا قامت الجماعة وقبل أن يشتد عودها أسرع هذا الأستاذ إلى بيعة تلميذه ليكون جنديا في صفه مواصلا الالتزام ببيعته حتى يلقى الله وهو الأستاذ عبد العزيز عطية يرحمه الله رحمة واسعة، ليتأكد أكبر ملمح من ملامح جماعة الإخوان المسلمين وهو الفكر الصحيح بالروح العافية الشابة التي تندمج في إطارها الأجيال المتتابعة، يسميها بعض المحبين عبقرية البنا، ونقول عنها كما قال المؤسس الشهيد أنها روح تسري في قلب هذه الأمة لتحييها بالقرآن الكريم يساهم في حمل أمانتها بحكم التكليف الرباني كل طبقات القادرين من المؤمنين رجالا ونساءً من لحظة التكليف حتى يأتي الأجل المحتوم.

          نظرة إلى ما حدث في سوريا منذ عام 1982، وفي مصر حيث كانت بداية الجماعة قبل أن تنتشر خارجها، وبعد أحداث الانقلاب العسكري في 2013 وعدد الشهداء الذين ارتقوا – بفضل الله – برصاصات العسكر ومراحلهم العمرية، وأعداد الأسرى خلف القضبان الذين تجاوزوا الأربعين ألفا، سنجد رجالا ونساءً وشيوخا وأطفالا من كل الطبقات الاجتماعية والثقافية ومنهم المريض والكفيف وصاحب الإعاقة في الحركة وهو ما لم يُجْهد الباحثون أنفسهم لرؤيته، ليمثل المشهد على قسوته أزهى صورة لجماعة متواصلة ستظل بروح بذل الطاقة والوفاء بالبيعة لا مجال فيها للحديث عن شباب وتحديد سن هذه المرحلة أو عن شيوخ ومتى تبدأ مرحلتها أو تنتهي إنما المقياس هو القدرة على العطاء والثبات، وكأننا نستحضر الموقف في غزوة تبوك عندما استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل القادرين من أصحابه فتخلف المنافقون بأعذار كاذبة، وتخلف ثلاثة لم يعرف النفاق إلى قلوبهم سبيلا منهم شيخان كبيران في السن هما: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وشاب هو كعب بن مالك، ولولا صدق هؤلاء الثلاثة مع الله سبحانه ثم مع رسوله ما تنزلت عليهم التوبة، لتكتمل صورة المجتمع الذي تحمل مسؤولية العمل، وحين نستحضر الآن ثبات المرشد العام السابق للجماعة الأستاذ محمد مهدي عاكف الذي قارب التسعين من عمره رغم مرضه في سجن عسكر 2013م وهو الذي تم اعتقاله وسجنه في كل العهود التي حكمت مصر طوال عمره منذ الملكية مرورا بالثلاثة دورات عسكرية دون أن يلين، وأيضا المرشد العام الحالي الدكتور محمد بديع الذي تجاوز السبعين ويقف أمام محاكم تفتيش العسكر كالأسد الهصور لم تهزم روحه ولا جسده سنوات السجون السابقة، وغيرهما الكثير نستعيد بهم صورة غزوة تبوك التي تتكرر الآن في سجون العسكر (ولله المثل الأعلى ولرسوله)، ولم يجهد الباحثون أنفسهم في دراستها لمعرفة كيف أحيت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قلوبا وأجسادا تجتمع تحت راية واحدة لا مشاحنة فيها بين شباب وشيوخ بتواصل الأجيال العاملة لله سبحانه وتعالى دون مزاحمة، لتكتمل استحقاقات البقاء لجماعة الإخوان المسلمين، وبميلاد جديد وذكرى جديدة لمؤسسها الشهيد حسن البنا يرحمه الله.

          وإلى لقاء قادم إن شاء الله.

 

السباحة في بحر النعم

مقديشو (الإصلاح اليوم)

إعداد: محمد محمودبرو

العبد الموفق هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد، فيظل دائمًا في حمد الله وشكره والثناء عليه لما هو فيه من نعمه: الدين، والصحة، والرخاء، والسلامة من الشرور.

في غرفةٍ رثة فوق سطحِ أحد المنازل، عاشت أرملةٌ فقيرةٌ مع طفلها الصغير حياة بسيطة في ظروف صعبة، فقدت تلك الأسرة الكثير، ولكنها وُهبت نعمة الرضا والقناعة.

كان فصل الشتاء بأمطاره الغزيرة يشكل هاجسًا لهم، فالغرفة عبارة عن أربعة جدران، وبها باب خشبي، غير أنه ليس لها سقف!

وكان قد مر على الطفل أربع سنوات منذ ولادته لم تتعرض المدينة خلالها إلا لزخات قليلة وضعيفة من المطر، إلا أنه ذات يوم تجمعت الغيومُ، وامتلأت سماءُ المدينة بالسحب الداكنة، ومع ساعات الليل الأولى هطلَ المطرُ بغزارة على المدينة كلها.

نظر الطفلُ إلى أمه نظرة حائرة، وارتمى في أحضانها بثيابها المبللة، أسرعت الأمُ إلى باب الغرفة؛ فخلعته، ووضعته مائلًا على أحد الجدران، وخبأت طفلها خلف الباب، لتحجب عنه سيل المطر المنهمر، فنظر الطفلُ إلى أمه ضاحكًا مستبشرًا وقال لها: “ماذا يا ترى يفعل الفقراء الذين ليس عندهم باب حين يسقط عليهم المطر؟!”

لقد أدرك الصغيرُ ببساطته الحقيقة الخفية: أن الإنسان يستمتع بالموجود، ويحمد الله على ما وهب، فهم أغنياء لأنهم يملكون بابًا وغيرهم لا يملكه!

اِسْتَحْضِر نعم الله عليك، واجعلها ماثلة في وعيك، دع شمس حياتك تشرق كل يوم؛ مسبحة بنعم الله عليك التي لا حد لها، فالدنيا بأكملها قد أعطيت لمن يملك تقديرًا، للنعم وفهمًا عميقًا وتصورًا راسخًا عن قيمتها! يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» [صحيح الجامع:6042].

ويقول عبد الحميد الهاشمي في كتابة الصحة النفسية الوقائية: “إن الإنسان المتفائل يسعد مع ثلاث نعم: نعمة كانت ثم زالت؛ فهو يذكرها ويشكر الله عليها، ونعمة يعيشها ويسعد فيها ومعها، ونعمة يرجوها؛ فيعمل لها بكل تخطيط وكفاح وكله أمل أن يصل إليها، والإنسان المتشائم يشقى مع ثلاث نعم: نعمة كانت؛ فهو يتحسر عليها؛ لأنه لم يعرفها إلا بعد زوالها، ونعمة هو فيها فلا يراها ولا يعترف بها ولا يشعر بها، ونعمة كبرى (أحلامًا يقظة)؛ يعيش معها دون عمل، لأنه مشغول فكريًا ومنهك عصبيًا بآلام الحسرة على الماضي الفائت، والشكوى من مرارة الحاضر”.

يُحكى أن أعرابيًا دخل على الرشيد فقال: “يا أمير المؤمنين! ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرّفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها”. فأعجب الرشيد كلامه وقال: “ما أحسن تقسيمه”.

– نعم لا تحصى:

العبد الموفق هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد، فيظل دائمًا في حمد الله وشكره والثناء عليه لما هو فيه من نعمه: الدين، والصحة، والرخاء، والسلامة من الشرور، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل:١٨]، وقال تعالى {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:٣٤].

فإذا كان لديك بيت يؤويك، ومكان تنام فيه، وطعام في بيتك، ولباس على جسمك، فأنت أغنى من خمسة وسبعين بالمائة من سكان العالم.

وإذا كان لديك مال في جيبك، واستطعت أن توفر شيء منه لوقت الشدة فأنت واحد ممن يشكلون ثمانية بالمائة من أغنياء العالم.

وإذا كنت قد أصبحت في عافية هذا اليوم فأنت في نعمة عظيمة، فهناك مليون إنسان في العالم لن يستطيعوا أن يعيشوا لأكثر من أسبوع -بتقدير الأطباء- بسبب مرضهم.

وإذا لم تتجرع خطر الحروب، ولم تذق طعم وحدة السجن، ولم تتعرض لروعة التعذيب فأنت أفضل من خمسمائة مليون إنسان على سطح الأرض.

وإذا كنت تصلي في المسجد دون خوف من التنكيل أو التعذيب أو الاعتقال أو الموت، فأنت في نعمة لا يعرفها ثلاثة مليارات من البشر.

قال رجل لأبي تميمة: “كيف أصبحت؟” قال: “أصبحت بين نعمتين، لا أدري أيتهما أفضل؟ ذنوب سترها الله، فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها علمي”.

كتب بعض العلماء إلى أخ له: “أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، فما ندري أيهما نشكر؛ أجميل ما نشر، أم قبيح ما ستر؟”

قال سلام بن أبي مطيع: “دخلت على مريض أعوده، فإذا هو يئن، فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم، ولا لهم من يخدمهم”. قال: “ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه: اذكري المطروحين في الطريق، اذكري من لا مأوى له، ولا له من يخدمه”.

مرّ وهب بن منبه ومعه رجل على رجل مبتلى أعمى مجذوم مقعد به برص، وهو يقول: “الحمد لله على نعمه”، فقال له الرجل الذي كان مع وهب: “أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد الله عليها؟!” وكان هذا الرجل المبتلى في قرية تعمل بالمعاصي، فقال للرجل: “ارم ببصرك إلى أهل المدينة، فانظر إلى كثرة أهلها وما يعملون، أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري”.

– خير علاج:

ذكر النعم خير علاج لأدواء للكبر والطغيان، فعندما تتوالى النعم على العبد فإن نفسه تدفعه للتكبر على الآخرين، والشعور بالأفضلية عليهم بها، من هنا كان ذكر النعم، والتذكير بفضل الله؛ علاجًا فعالًا لمثل هذه الحالة، كما فعل موسى عليه السلام مع بني إسرائيل عندما بدأت أمارات الطغيان تظهر عليهم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:6-7].

ذكر النعم علاج فعال لجحود العبد، وعدم رضاه عن حاله، فعندما ينظر المرء إلى ما عند الآخرين، ويتعامى عن خير الله عليه، فإن هذا من شأنه أن يجعله ساخطًا على وضعه، غير راض عن ربه، وذكر النعم كفيل بأن يخرجه من هذه الدائرة المشئومة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نظر أحدكم إلى من فُضّل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فَضُل عليه» [متفق عليه]. وفي الحديث أيضًا: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» [مسلم].

انظر إلى هذا الذي تاه مركبُه على صفحاتِ المحيط، وأخذت المياهُ تقذف بعظيمِ الموج حتى أتت على بقايا ذلك المركبِ المتهالك، فبقي هائمًا أيامًا تعبث به الأمواجُ، وتتلاعب به الريحُ، وتلهو به الأسماك، وقدّر الله له بعد ذلك النجاة، سُئل بعدها عن أعظم درس تعلمه من هذه التجربة القاسية؟، فقال كلمة عجيبة: “لو امتلكت الماء الزلال والغذاء فلا يحق لي بعد ذلك أن أشكو من مر!”

قال أحد الفضلاء: “ما شكوت الزمان، ولا برمت بحكم السماء، إلا عندما حفيت قدماي، ولم أستطع شراء حذاء، فدخلت مسجد الكوفة، وأنا ضيق الصدر، فوجدت رجلًا بلا رجلين، فحمدت الله وشكرت نعمته علي”.

ذكر النعم يقوي الدافع إلى الاستقامة، مر ابن المنكدر بشاب يقاوم امرأة فقال: “يا بنيّ ما هذا جزاء نعمة الله عليك!” فالعجب ممن يعلم أن كل ما به من نعمة من الله، ثم لا يستحي من الاستعانة بها على ما نهاه.

يقول عالم النفس (وليم جيمس): “إننا نحن البشر نفكر فيما لا نملك، ولا نشكر الله على ما نملك، وننظر إلى الجانب المأساوي المظلم في حياتنا، ولا ننظر إلى الجانب المشرق، ونتحسر على ما ينقصنا، ولا نسعد بما عندنا”.

وأخيرًا؛ قيل لإعرابي: “أَتُحْسن أن تدعو ربك؟ فقال: نعم، قيل: فادع، فقال: “اللهم إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك، فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك”.

– من أقوال الحكماء:

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: “من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلّ علمه، وحضر عذابه”.

قال ابن عقيل: “النعم أضياف، وقراها الشكر، والبلايا أضياف، وقراها الصبر، فاجتهد أن ترحل الأضياف شاكرة حسنة القرى، شاهدة بما تسمع وترى”.

قال طلق بن حبيب رحمه الله: “إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين”.

قال مجاهد في قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:٢٠]، قال: “هي (لا إله إلا الله)”، وقال ابن عيينة: “ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرّفهم (لا إله إلا الله)”، وقال ابن أبي الحواري: “قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد؟! نسأل الله ألا يسلبنا إياه”.

قالت عائشة رضي الله عنها: “ما من عبد يشرب الماء القراح (الصافي) فيدخل بغير أذى، ويخرج بغير أذى إلا وجب عليه الشكر”.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: “الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها”.

قال الفضيل بن عياض: كان يقال: “من شكر النعمة التحدّث بها”، وجلس ليلة هو وابن عيينة يتذاكران النعم إلى الصباح.

– “اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت ومما علمناه، شكرًا لا يحيط به حصر، ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان” (الإمام الشوكاني؛ في زاد المسير).

– “اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، أو أن أكفرها بعد معرفتها، أو أنساها فلا أثني بها”

مهارة القراءة

مقديشو (الإصلاح اليوم) –

إعداد: محمد محمود برو

التعليم والتثقيف يعتمد بشكل أساسي على الكتب؛ لذا من أراد أن يتعلم ذاتياً أن يتقن مهارات القراءة الصحيحة، فالقراءة مهارة وفن لا يجيده كثير من الناس، فكم من القراء الذين يبذلون جهداً وأوقاتاً طويلة في القراءة، ومع ذلك فإن حصيلتهم قليلة جداً. ولاشك أن الخلفية العلمية والثقافية للشخص لها أثر كبير في عملية الاستيعاب، إلا إن طريقة القراءة وكيفية التعامل مع الكتاب تؤثر بدرجة عالية في مستوى الفهم والاستيعاب. 

وفي هذه المقالة سوف يكون حديثي عن كيفية القراءة والذي تعتبر محور أساسي في عملية الاستيعاب. فالقراءة مهارة تكتسب بالتعلم وتتطور بالممارسة والتمرين، وبقدر ما تكون مهارتك عالية بقدر ما يكون استيعابك لما تقرأ عالياً. وسأذكر باختصار بعض القواعد الأساسية في كيفية القراءة الصحيحة، فإن معرفة القواعد يشكل مرونة أو على الأقل هي شرط لاكتساب المهارة.

قبل القراءة: 

أولاً: القراءة الفعالة تبدأ قبل القراءة، فالقارئ الجيد يحدد هدفه من القراءة، فقبل كيف تقرأ، أسأل: لماذا أقرأ؟ ما الهدف من وراء قراءتي؟ وقد حدد خبراء القراءة ستة أهداف رئيسة للقراءة لا يكاد القارئ يخرج عن هذه الأهداف:

أـ لفهم رسالة محددة ب ـ لإيجاد تفاصيل هامة
جـ ـ للرد على سؤال محدد د ـ لتقييم ما تقرأ
هـ ـ لتطبيق ما تقرأ و ـ للتسلية والمتعة

ومعرفة الهدف ووضوحه في الذهن أمر أساسي وضروري لعلمية الاستيعاب والفهم. فحدد هدفك قبل القراءة، فإذا كان هدفك أن تقرأ من أجل القراءة فقط، فأجهد نفسك قليلاً لتخرج بسبب أفضل، فالقراءة مع هدف محدد هو بأهمية فهم ما تقرأ. وفي قراءة الكتب الشرعية يجب أن يكون هدفك مرضاة الله ـ عز وجل ـ ، فلا تقرأ العلم الشرعي من أجل تماري به السفهاء أو تكاثر به العلماء أو تريد أن تصرف به وجوه الناس إليك فإن ذلك يقودك إلى النار عياذاً بالله من ذلك.

ثانياً : حدد المكان الذي سوف تقرأ فيه الكتاب. ويشترط في المكان أن يكون خالياً من الملهيات والصوارف التي تعيقك أو تقطع عليك تركيزك خلال القراءة. وكذلك لابد أن يكون المكان بعيداً عن الضوضاء والإزعاج فالقراءة نشاط فردي تتطلب هدوءاً لزيادة درجة الاستيعاب. فاختر المكان الهادئ، على أن تكون إضاءة المكان صحية.
واجعل كل ما تحتاج إليه من أدوات أساسية كالأقلام والأوراق والملفات في هذا المكان قريبة من متناول يدك، فكثير من الوقت يضيع في البحث عن الأساسيات التي تحتاجها مما يسبب إزعاجاً وإرباكاً. وأفضل مكان للقراءة هو المنزل فخصص مكان فيه للقراءة، وبإمكانك أن تقرأ في أماكن أخرى هادئة كالمكتبة مثلاً إلا إن هناك قيوداً تجعل القراءة في هذه الأماكن صعبة فالمكتبة تغلق الساعة التاسعة وأنت لا زلت تشعر بنشاط ورغبة في القراءة، وتفتح في وقت متأخر، بالإضافة أنها قد تكون بعيدة عن المنزل مما يعني ضياع كثير من الوقت في الذهاب والإياب. كما أن القراءة في المنزل لها أثر سلوكي تربوي ينعكس على الأبناء في حب القراءة.

ثالثاً: حدد طريقة قرأتك مع الكتاب فهل ستكون قراءتك متقيدة بالزمن أم بالكمية، وأعني بالزمن هل ستقرأ مثلاً نصف ساعة من الكتاب يومياً بصرف النظر عن كم قرأت من الكتاب، ففي هذه الحالة يكون الاهتمام بالوقت، أم أن قراءتك تهتم بالمقدار، فمثلاً تقرأ عشرين صفحة يومياً ـ مهما أخذت من وقت ـ فالاهتمام للكمية وليس للوقت. أم أنك ستقرأ خلال يومين أو ثلاثة قراءة مستمرة دون انقطاع. يجب في البداية أن تحدد طريقة تعاملك مع الكتاب لكي تحدد زمن الانتهاء وتستطيع تقييم نفسك هل أنت منضبط بوقتك أم لا؟ وهل أنت قارئ جيد أم لا؟

رابعاً: اقتن الكتاب الذي يحقق لك هدفك، فمثلاً لو أردت أن تقرأ عن العولمة فإنك ستجد كتب كثيرة تناولت موضوع العولمة بطرق مختلفة. يجب أن تكون أكثر تحديداً، ماذا تريد عن العلومة؟ هل تريد فقط معرفة عامة لمعنى العولمة دون الدخول في الجزئيات والتحليلات الدقيقة؟ فهنا يكفيك كتاب مختصر تقرأ فيه الخطوط العريضة عن العلومة. أما أنك تريد التوسع في معرفة العلومة ودراستها دراسة تحليله ومعرفة منطلقاتها وأهدافها وآثارها على العالم برمته. فهنا لابد أن تبحث كتاب شامل واسع؛ بل أحياناً يتطلب الأمر أكثر من كتاب لتحقيق الهدف. فكن متقناً في اختيار الكتاب.وكما يراعى في اختيار الكتاب أن يكون متوافقاً مع مستواك المعرفي أو أن يكون لديك القدرة في استيعاب ما فيه.

خامساً: قبل شراء الكتاب اجعل لك عادة أن تقرأ فهرس الكتاب ومقدمته والخاتمة وما كتب خلف الكتاب ومقتطفات سريعة ومختصرة من ثنايا الكتاب. فهذه القراءة لهذه المواقع تبين لك: هل أنت بحاجة لشراء هذا الكتاب؟ وهل الكتاب يحقق هدفك؟
وتبين لك أيضاً ـ من خلال هذه النظرة السريعة ـ جودة قلم الكاتب. فإن الكتاب الجيد المتقن السبك له أثر كبير على الارتقاء بالمستوى الفكري والبلاغي القارئ، بالإضافة ما يشكله من أثر عميق في ثبات أو تغير أو تزعزع قناعات القارئ، لهذا احرص دائماً باقتناء الكتاب الرصين في عباراته، المحكم في معانيه. ويعرف الكتاب القيم: بسلامة عقيدة مؤلفه، فالكاتب لا يكاد يخرج عن معتقداته وتصوراته. وكذلك عن طريق معرفة الكاتب وعلاقته بالموضوع فهل هو متخصص فيما كتب أم متطفل. وكذلك عن طريق استشارة أهل التخصص عن الكتاب وعن أفضل ما كتب في مجال تخصصهم. فإن هذا يعينك على تجاوز كثير من الوقت والجهد.

سادساً: حدد جدول زمني ثابت للقراءة، وإن كان القارئ الجيد يقرأ في كل وقت؛ ولكن لوجود أعمال أخرى ضرورية في حياتنا فإننا بحاجة شديدة إلى تحديد وقت زمني يومي ثابت للقراءة. واجعل هذا الوقت المخصص للقراءة في الفترة التي تقل أو تنعدم فيها المقاطعات والصوارف، على أن يعلم جميع أفراد أسرتك وأصدقائك بهذا الوقت المخصص للقراءة كي يعينوك في في الاستمرار.

سابعاً: لا تذهب إلى القراءة وأنت في حالة عصبية منفعلة، أو تشعر بالضغط النفسي والإكراه فإن عملية الاستيعاب تعتمد بدرجة عالية على مقدار حضورك الذهني. احرص دائماً أن تقرأ وأنت بشوق ومحبة للقراءة. فقراءة الراغب المحب ليست كقراءة المكره المضطر. اجعل عقلك ومشاعرك وعواطفك تدفعك إلى القراءة، انطلق إلى القراءة بكلك لا ببعضك لكي لا يتشتت ذهنك وتضيع وقتك. وقد حذر أسلافنا من القراءة في حالات انشغال البال، فيقول الكناني رحمه الله:” ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر” فالقراءة نشاط ذهني يشترط فيها هدوء الذهن واستقراره كي يفهم ما يقرأ.

ثامناً: فكر كثيراً في الكتاب، وحاول دائماً أن تحدث نفسك عن قراءة الكتاب الذي اخترته، وأنك سوف تنهيه في الوقت المحدد، حدّث نفسك أنك لن تجعل أحد يعوقك عن المضي في مشروعك هذا، اجعل الدافع ينبعث من ذاتك لكي يكون أدائك أكثر إبداعاً. ومما ينبغي ذكره، ويجمل العمل به هو الاستعانة بالله عز وجل ودعاءه في قراءة هذا الكتاب والاستفادة منه، فالاعتماد على الله عز وجل من أقوى الطرق في تحقيق ما تصبو إليه مع سلوك ما أمر الله به من اخذ الأسباب الصحيحة لتحقيق ما تريد.

خلال القراءة:

أولاً: لا يكن همك من القراءة إنهاء صفحات الكتاب؛ بل اجعل الغاية هي فهم ما بين يديك، ومن العبارات المشهورة الصحيحة: لا تسأل كم قرأت ولكن كم فهمت، فإذا كان هدفك إنهاء الكتاب فقط فإنك بهذا تسعى إلى إجهاد نظرك من غير طائل، والقراءة الجيدة الإيجابية يجب أن يصاحبها التفكير والاستنتاج وأعمال الفكر في المقروء فالهدف الأساسي من القراءة هو فهم ما تقرأه، ولا يتم الفهم إلا بالتفكير في المقروء، ووضع الأسئلة واكتشاف الأجوبة من خلال القراءة.
وخلال قراءتك ستجد أشياء لا تستطيع فهمها، فلا تتذمر أو تتضجر فهذا أمر طبيعي يحدث لكل واحد منا، ولفهم ما أشكل عليك حاول قراءة ما استعصي عليك مرة أخرى ولكن بطرقة مغايرة:
· دوّن في ورقة خارجية تلخيصاً لما قرأت.
· اقرأ بصوت مسموع وببطء.
· حاول أن تتخلى عن استنتاجك السابق واقرأ بنظرة جديدة ومغايرة.
إذا لم تفهم فلا تيأس، استمر في قراءتك فهناك احتمال كبير أن تفهم هذه الإشكالية بعد الانتهاء من قراءة الكتاب. وهنا ألفت نظرك إلى أمر مهم وهو في حالة عدم فهمك لجزئية معينة لا تستعجل في السؤال عنها؛ بل أعط نفسك الفرصة للتفكير والتأمل والمدارسة مع الكتاب، فربما قليل من التفكير يقودك إلى فهم ما تريد، ونحن بحاجة إلى بناء عقول قادرة على الاكتشاف والاستنتاج، تعتمد على قدراتها وطاقتها، فالاعتماد كثيراً على قول الشيخ والمعلم يعني بذلك تهميش عقولنا، فاجعل دوماً قراءتك عملية بحث واكتشاف مستصحباً الصبر والجلد لكي تفهم وتستوعب ما تقرأه.

ثانياً: أقرا بتركيز، فالتركيز هو لب القراءة وجوهرها الأساسي، وقراءة بدون تركيز ضياع للوقت والجهد، فمستوى نجاحك في القراءة يعتمد ـ بعد توفيق الله ـ على درجة تركيزك، والتركيز عملية تحكم وانضباط وترويض للنفس حتى يكون لدى الشخص القدرة على الاستغراق في عملية القراءة، فهو مهارة يتعلمه المرء كما يتعلم أي مهارة أخرى. ونحن قد نستطيع القراءة لفترة طويلة ولكننا قد لا نستطيع أن نملك المتابعة الذهنية والتركيز فيما نقرأ. فما سبب ذلك؟
لا شك أن هناك معوقات تصد القارئ عن مواصلة التركيز ومن تلك المعوقات التي يجب الحذر منها تشتت الذهن والاسترسال مع الأفكار الجانبية، والشرود في خيالات وهمية، ولقوة التركيز لا تدع الأفكار العشوائية تسيطر على مسار تفكيرك وتقودك حيثما شاءت، فلا تنجذب مع كل فكرة أو خاطرة تراودك، اهتم بما في يدك، وإن شعرت أنك لن تستطيع أن تتغلب على شرودك الذهني فحاول أن تغير مكانك أو اشغل نفسك بشيء آخر غير القراءة حتى ترحل هذه الأفكار العارضة، حاول أن تقلل من ارتباطاتك وأشغالك فإن ذلك يشتت الذهن.
وكذلك مما يعوق عملية التركيز عدم الثبات على أمر والانتقال من كتاب إلى آخر ومن علم إلى علم آخر، فلا يكاد ينجز في حياته كتاباً أو يتقن فناً من فنون العلم وهذا داء علاجه العزم والإصرار على إتمام ما بدأ به.
وكذلك من عوائق التركيز خلال القراءة الضجر والملل، والقراءة عملية ذهنية تتطلب نفساً تئدة صابرة. جدّد همتك وعزيمتك بقراءة سير أولي الإنجازات الضخمة. أجلس مع ذوي الهمم العالية. تذكر دائماً هدفك، ضع أهدافك دائماً نصب عينيك ولو أن تكتب هدفك على المكتب وجدار الغرفة أمامك، غير جدول قراءتك، وغير بين الكتب إذا مللت، إذا تعبت وأجهدت فخذ قسطاً من الراحة، لا ترهق نفسك فالإنسان له طاقة محدودة فإن احتجت إلى النوم فنم، ثم عد بعد ذلك وأنت أكثر نشاط.
إن الحياة اليوم أصبحت أكثر صعوبة وتعقيداً؛ فمتطلباتها أصبحت أكثر، مما نتج عن ذلك الضغط النفسي ـ مرض العصر ـ فنحن مطالبون بالتعلم والعمل والإنتاج أكثر مما كان يطالب به أسلافنا، وحالة التركيز تتطلب منك أن تقلل من مستوى الضغط النفسي خلال قراءتك؛ لذا يجب أن يكون لديك المهارة في التخلص أو تقليل الضغط النفسي الذي نشعر به كي تكون أكثر تركيزاً، ومن العوامل المساعدة في تخفيف الضغط النفس هو إتقان مهارة إدارة الوقت والتنظيم وكيفية التعامل مع الذات.
ابحث عن كل طريقة تبعث فيك الحماس والنشاط، فالأمر يتطلب تربية جادة للنفس حتى تكون قادر على التركيز والاستغراق فيما تقرأ. فإن ضعف التركيز له آثار سلبية أشدها أنه ينتج لدى الشخص عدم الفهم أو سوء فهم وتصور خاطئ لما يقرأ. قد تكون بحاجة إلى قدر من الانضباط لتتغلب على الاتجاه الطبعي نحو الكسل أو الملل أو السآمة والإحباط أو الرغبة في عمل شيء آخر فمما تدركه العقول السليمة أن الإنجاز والنجاح يسبقه آلام ومصاعب تتطلب صبر وتحمل وهمة عالية، فلا بد من إجبار النفس وترويضها وتربيتها وبذل جهد شاق لتتغلب على مشاعرك ورغباتك حتى يكون التركيز والاستغراق والانهماك في القراءة جزء أساسي من شخصيتك.

ثالثاً: دون ما تقرأ، فمن أساسيات القراءة تدوين المذكرات، فبقدر ما تستطيع اكتب كل شيء تراه مفيداً وهاماً حتى وإن كنت صاحب ذاكرة قوية فذة فأنت مطالب بكتابة المذكرات لتكون قارئ جيد، فكتابتك للمذكرات يعني استخدام أكثر من حاسة، والمذكرات تعتبر حجر الزاوية لنجاحك في هذا الطريق فهي تساعدك على التركيز، والفهم، والتذكر، وكذلك تحفزك للبحث أكثر في الموضوع، وتسد الثغرات العلمية لديك، مع إثارة لكثير من الأسئلة، بالإضافة إلى أن التحليل المنطقي للمذكرات يعتبر الخطة الأولى لإيجاد معلومات تفصيلية أدق في البحث فهي الخطو الأولى لكتابة الأبحاث والأعمال الطويلة.
ولا يقتصر دور المذكرات لكتابة النقاط الهامة؛ حتى لكتابة القضايا التي لم تفهمها وتتطلب توضيح أكثر، أو زيادة تفصيل وشرح. وليس هناك طريقة وحيدة لكتابة المذكرات بل كل شخص له أسلوبه الخاص في تدوين المذكرات، ولكن الأمر المشترك في كتابة المذكرات أن المذكرة يجب أن تحتوي على اسم المرجع، ورقم الصفحة، ويشترط أن تكتب لك مذكرة عنوان خاص يميزها عن غيرها ويدل على محتوى المذكرة، وكذلك لا بد أن تكتب المذكرة بأسلوبك فلا تنسخ ما هو موجود في الكتاب وإنما دون بأسلوبك وعباراتك ما استخلصته من معلومات هامة، ويفضل في كتابة المذكرات أن تكون بعد قراءة كل فصل كاملاً حتى تكون قادراً على الربط بين التفاصيل والأحداث الهامة.

رابعاً: قبل أن تشرع في قراءة الكتاب، يجب أن تضع أسئلة، ـ فمن صفات القارئ الرديء أنه لا يضع أسئلة ولا يجيب على أي سؤال يتبادر إليه ـ اكتب هذه الأسئلة في ورقة وضعها على غلاف الكتاب: ماذا يبحث الكتاب بمجمله؟ ما مدى أهمية المعلومات التي طرحها؟ هل الكتاب شامل في تناوله للموضوع؟ كيف تناول الكتاب عرض أفكاره؟ ثم تضع أسئلة متعلقة بخصوصية الموضوع وتبحث عن أجوبة لجميع أسئلتك. فلو كنت تقرأ كتاباً عن “الجهاد” فاكتب قبل ما تقرأ جميع ما يثيرك حول موضوع الجهاد على أن تكون الكتابة على شكل أسائلة، أجهد نفسك لكتابة كل ما يمكن أن يثار حول موضوع الجهاد، فهذه الأسئلة تجعلك أكثر فعالية وكلما كانت الأسئلة أكثر وأوضح كلما كانت القراءة أكثر قوة ونقداً. وخلال قراءتك ابحث عن أجوبة لأسئلتك.

خامساً: ناقش الكتاب، ضع الإشارات والعلامات على الكتاب، وإن كان هناك بعض القراء يرفضون هذه الطريقة ولكنني أجد أنها أسلوب فعّال لعملية الاستيعاب وهي تدل على مقدار التفاعل مع الكتاب، وإيجاد نوع من النقاش البناء مع ما هو مدون في الكتاب. إن موافقتك للكتاب و مخالفتك و علامات التعجب والاستفهام يجب أن تظهر واضحة في الكتاب.
وهناك وسائل كثيرة يمكن استخدامها لعلمية الحوار مع الكتاب وأشهر تلك الطرق وأكثرها استعمالاً هي وضع خطاً تحت أو فوق الجمل الرئيسة، أو وضع خطاً شاقولياً لعدة فقرات في هامش الفقرات المهمة، وكذلك وضع خطاً أحمراً تحت الجمل الهامة، أو وضع علامة استفهام لما استكشل عليك، ووضع نجمة بجانب الفقرات التي تحمل فكرة هامة وتتطلب دراسة أكثر، ووضع دائرة دلالة على أن هذه الفقرة لها علاقة بفقرات سابقة أو لاحقة، أو طوي أسفل الصفحة، وبعضهم يستخدم الورقة الفارغة الموجودة في أخر الكتاب لكتابة ملخصات صغيرة أو عناوين عن المواضيع الهامة وبجوارها أرقام الصفحات التي وردت في الكتاب، أو يستخدم قصاصات ورق يجعلها في الكتاب ويدون فيها الأشياء الهامة.

بعد القراءة:

عند انتهاءك من قراءة الكتاب لا يعني إنهاء العلاقة بالكتاب، فلتثبيت المعلومات يتطلب الأمر مراجعة ما قرأت، ولكن قبل المراجعة يجب أن تجاوب على هذه الأسئلة:
· ما المواضيع التي احتاج إلى مراجعتها؟
· كم من الوقت احتاج لمراجعة كل موضوع؟
· ما أماكن القوة والضعف لدي؟
وخلال مراجعتك لابد أن تجاوب على جميع الأسئلة التي دونتها خلال قراءتك، فلا تعني المراجعة إعادة القراءة بشكل سريع على أمل أن تستعيد ذاكرتك كل المعلومات؛ بل هي أكثر من مجرد القراءة فهي تتطلب الكتابة، والتحدث، والنقاش، وتحليل الأفكار المتعلقة بالموضوع؛ بل أحياناً يتطلب الأمر إعادة قراءة فصول كاملة كي تفهم ما قرأت بشكل واضح.
والمراجعة أحياناً تتطلب وجود شخص يناقشك، فالمناقشة طريقة قوية لتحسين مستوى التعليم والتذكر، يقول النووي ـ رحمه الله ـ :” فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ويتأكد ويتقرر ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة انفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيام” وإن لم تجد أحداّ تراجع معه فليس هناك خيار أن تراجع لوحدك، قال الكناني ـ رحمه الله ـ :” فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه وكرر ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده.” وطرداً للملل قسّم الموضوع إلى وحدات على أن تكون المراجعة في وقت نشاطتك الذهني، وعند انتهاءك من المراجعة لا يعني قطع الصلة بالكتاب؛ بل لا بد من إعادة المراجعة بعد أسبوع تقريباً وقد يتطلب الأمر مراجعة الكتاب عدة مرات فيعتمد ذلك على مقدرة ذاكرتك وعلاقتك بالموضوع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الدعوة إلى الله في السلوك اليومي

مقديشو (الإصلاح اليوم) –

إعداد: محمد محمود برو

إن الدعوة الى الله جزء من حياة المسلم اليومية في بيته ومع أسرته وفي عمله وطريقه ومع زملائه وفي جميع أحواله ، قال تعالى ” ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ” 

وإن من أعظم وسائل الدعوة الى الله السلوك العملي للداعية وثبات المسلم على مبادئه وأخلاقه التي هذبه بها دينه الإسلامي الحنيف ، فالطبيب المسلم يدعو الى الله بسلوكه قبل قوله لأن تأثير الأفعال أبلغ من الأقوال ، والإيمان كما هو معلوم ما وقر في القلب وصدقه العمل ، لذا فإن إلتزام الطبيب المسلم وإتقانه لعمله وحرصه الشديد على مرضاه وأدائه لما أوكل إليه من مهمات على أكمل وجه ومراقبة الله في ذلك ، وحسن تعامله مع مرضاه وزملائه ورؤسائه ومرءوسيه من أعظم الوسائل التي تأسر القلوب وتعطي صورة مشرقة للطبيب المسلم ، أما عندما يكون الطبيب المسلم مهملاً في عمله كسولاً لا يتقن ما أوكل إليه من مهمات فإن ذلك ينفر القلوب من حوله ولا يكون لدعوته تأثير على الآخرين . 

وإن العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته وأخلاقه فهو القدوة لهذه البشرية قال تعالى ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ” 

وهكذا يرى المسلم كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن سلوكاً عملياً في حياته اليومية في بيته ومع أزواجه رضوان الله عليهن أجمعين ومع أصحابه رضوان الله عليهم ، بل وحتى مع أعدائه من الكفار والمنافقين ، يتأدب بآدابه التي شرعها الله قال تعالى ” وإنك لعلى خلق عظيم ” وعن عائشة رضى الله عنها قالت ” كان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن ” رواه مسلم . 

وعن أنس رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً ” متفق عليه . 

إن الدعوة الى الله تحتاج الى إخلاص العمل لله عز وجل وإصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها وأن يكون لدى الداعية فقه في الدعوة الى الله وفق منهج الله الذي شرعه لعباده ، وهذا الجانب يحتاج من الطبيب إلى التفقه في الدين في الأمور التي تواجهه في ممارساته اليومية ، وسؤال أهل العلم قال تعالى ” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ” ومجالسة العلماء وحضور بعض حلقات الذكر وطلب العلم في مجال التخصص . 

ولكي نحاول أن نترجم أقوالنا إلى سلوكيات يومية في حياتنا فدعونا نبدأ هذا اليوم الجديد في حياة طبيب مسلم في بداية مشواره العملي ، وهو يذهب في الصباح الباكر إلى عمله في المستشفى أو المركز الصحي وهو يستشعر النية فينوي بعمله التقرب إلى الله وإعانة إخوانه المرضى ونفعهم ، فإنه بهذه النية الخالصة لله ينال بها أجري الدنيا والآخرة ، فإذا دخل المستشفى وشارك في اللقاء الصباحي لمناقشة الحالات المرضية لإخوانه المرضى فانه ينوي بذلك طلب العلم ، لإتقان هذه الأمانة ورفع كفاءته العلمية ، ومن ثم يكون هناك المرور على المرضى المنومين ، يستشعر بذلك نية زيارة المرضى فينال بذلك أجر عظيماً لزيارة المريض ، ومن ثم ينهمك الطبيب المسلم في عمله بكل جد وإخلاص وإتقان ، فيستمع الى مرضاه ويتواضع معهم ويعطف عليهم ، ويغض بصره عما حرم الله ، ويبذل قصارى جهده في علاجهم وفق المنهج العلمي الصحيح مع التوكل على الله ودعاء الله لهم بالشفاء . 

والطبيب المسلم يتفقد أحوال مرضاه مع الطهارة وأداء الصلاة ،فإن بعض المرضى قد يجهل ذلك فيؤخر الصلاة عن وقتها أو يتكاسل عنها جهلاً منه بأحكام الطهارة والصلاة للمريض ، ولذا فإنه ينبغي توجيه المرضى لذلك برفق ولين وحسن أدب ، وهناك ولله الحمد والمنه الكثير من النشرات والكتيبات لعلمائنا الأفاضل وفقهم الله وغفر لهم عن أحكام طهارة وصلاة المريض والتي يمكن إهداءها للمرضى . 

وعندما يرى الطبيب المسلم منكراً من المنكرات في المستشفى أو في محيط عمله أو في طريقه فإنه يتذكر واجباً شرعياً وركناً أساسياً وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيسعى في إنكار المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه بشرط أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة وإلتزام الرفق واللين والبعد عن الغلظة ورفع الأصوات وإثارة الآخرين ، وألا يترتب على ذلك مفسدة ، فالمسلم مأمور بالتوجيه والإرشاد وليس عليه تحقيق النتائج فإن التوفيق والهداية بيد الله عز وجل. 

وهذا الجانب يحتاج إلى فقه الداعية في أساليب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وألا تترك هذه إلى إجتهادات شخصية بل يجب أن يكون ذلك وفق أدب وأخلاق المسلم المتفقه في دينه الذي يدعو إلى الله على بصيرة، ولعل مما يساعد على ذلك ما أنشأته وزارة الصحة حديثاً من مكاتب دينية في المستشفيات للقيام ببعض هذه المهمات وفق أسس وأنظمة المستشفى حتى لا يترتب على ذلك مفاسد. 

وعندما يحين موعد الآذان تجد الطبيب المسلم يقف وقفة قصيرة بدون أن يؤثر ذلك على عمله، مع كلمات الآذان فيرددها ويستشعر معانيها فتزكوا بذلك النفس وتزداد قوة وعزيمة لأداء الصلاة تلك الشعيرة العظيمة والمحطة الإيمانية التي ينبغي المحافظة عليها في أوقاتها مع جماعة المسلمين، والحرص على الصف الأول لما في ذلك من الأجر العظيم كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل النداء والصف الأول . 

والطبيبة المسلمة ينطبق عليها ما ذكر ، مع أهمية أداءها لعملها بسكينة ووقار وحشمة بعيدة عن الاختلاط بالرجال ، متأدبة بكلامها ، وتصرفاتها ومتحجبة بالحجاب الشرعي الذي تتعبد الله به ، صابرة محتسبة الأجر من الله في تخفيف الآلام عن بنات جنسها ، فالطبيبة المسلمة داعية إلى الله بسلوكها وحسن أدبها مع بنات جنسها من المريضات والعاملات والممرضات ن تحب الخير للآخرين ، ذات روح ونفس زكية في تعاملاتها ، ومع ذلك فهي تحرص على التوازن في حياتها ، فلا يطغى جانب على أخر ، فتهتم بأسرتها وزوجها وأولادها مع إتقانها لعملها الطبي الهام . 

وأؤكد أن الطبيبة المسلمة يجب أن تكون قدوة حسنة في التزامها بالحجاب الشرعي في محيط العمل لتكون بذلك داعية بسلوكها ، وعليها أن توجه أخواتها ممن تساهلن بالحجاب بالرفق واللين والموعظة الحسنة وان تبين لهن أن الحجاب عبادة لله عز وجل وليست قيداً أو عادة تضيق المرأة منها مع تذكيرهن بقوله تبارك وتعالى ” وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم …. الآية ” . 

وهكذا تجد أن الطبيب المسلم والطبيبة المسلمة يدعو إلى الله من خلال سلوكها اليومي ، فالدعوة جزء هام من حياتهما يحتسبان الأجر فيهما من الله عز وجل قال تعالى ” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ” 

والله أسال أن يوفق اخوتي وأخواتي من العاملين في المجال الصحي لما فيه الخير في الدنيا والآخرة ن وان يعيننا على إصلاح أنفسنا ، والدعوة إلى الله بالقول والعمل انه ولى ذلك والقادر عليه 

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . 

 

النفاق الغربي

مقديشو (الإصلاح اليوم)

دارت عقارب الساعة الدولية لتتحرك في اتجاهات مختلفة عن تلك التي تعودهـا الشرق بالأخص الخليج العربي الذي فوجيء بثورات هنا وهناك؛ حركت المياه الراكدة، أفاقت

النفاق الغربي شعوبهـا من صدمتهـا؛ لتكشف وجوهـاً غربية جديدة بتوجهـات مختلفة عما كانت تعودته من دعم سياسي واقتصادي ومادي .

ولوحظ إن الساعة توقفت على أرقام صعبة ودول معادية أو مناهضة لسياسات الدول العربية وخصوصاً الخليج الذي كان محضوناً بشكل واضح في صدور غربية؛ تحالفت معه منذ القدم بل كانت سبباً في بقائه، وأسهمت في صموده عبر تاريخها الطويل  وما إن بدأت الثورات العربية حتى ساهم الغرب ولاسيمـا الولايات المتحدة الأمريكية في دعم التوجهات الشعبية المناهضة للأنظمة العربية القديمة  وبشكل ملحوظ وغير مرضي من قبل الساسة العرب، واتضح للسياسي العربي القديم ما كان يحذِّر منه بعض المحللين من مثقفي العرب الذين كانوا ينادون بالانعتاق من ربقة الدولار الذي أشعل الفوضى في الأسهم العربية بنيرانٍ لم تعد هادئة.

والدعوة للتحول نحو الشرق إلى أن انكشف بوضوح النفاق الغربي، واتضحت معالمه، وشهدت التحولات العربية انقلاباً في التوجهات السياسية الغربية وضموراً في العلاقات بل توتراً بين الخليج العربي والغرب، وصار الساسة الخليجيون يتابعون  بقلق بالغ ساعات من التوقف الطويل لعقارب الساعة الغربية على الرقم الإيراني الذي تمدد على حساب العرب،  وبدعم أمريكي واضح لايخلو من نفاق كشفت عقارب الساعة توجهاته مع انحيازٍ كاملٍ ومفضوح للسياسة الصهيونية ؛ رغم القرارات الدولية التي يحاول العرب تحريكهـا نحو اعتراف لايعدو كونه صورياً في المشهد السياسي الغربي ونفاقاً على حساب الدول والشعوب العربية .

إن اللحظة المعاصرة إحدى النقاط السوداء في الساعة الغربية توجب التأمل والدراسة بعمق إزاء هذا النفاق الغربي الذي ابتلع الهدر النفطي بكل سهولة وسيولة والذي لا يقبل المجاملة ولا التسويف دعاوى الممانعة والمقاطعة أو السلام كلهـا؛ أصبحت غير مجدية ولا ممكنة ، والحل الوحيد وأهم ما يمكن تصوره وتحويله إلى واقع رغم صعوبته في الزمن المتغير والمضطرب هو الاتحاد الكامل والشامل والالتفات للشعوب العربية،  ومنحهـا مزيداً من حريتهـا وحقوقهـا المشروعة دون منٍّ أو أذى والاعتصام بحبل الله وحده، والعودة للتراث العربي والإسلامي، والتشبث به بعيداً عن التقليد الأعمى الممقوت للغرب، ودعم التوجهات المعتدلة ولو كانت معارضة ، وتجفيف منابع الحقد والكراهية والتطرف والطائفية، وتفعيل حوارات  قادرة على التغيير والحداثة والمعاصرة مع الأخذ بأيدي المبدعين والمفكرين، وتوطينهم وعدم الضغط عليهم؛ ليتخذوا من الغرب أوطاناً بديلة ، ودعمهم بشتى الوسائل والسبل،  وتهيئة بيئات آمنة للتحديث والإبداع في مناحي الحياة كافة، ونبذ العنف السياسي والبعد عن التغول على كل ما هو مدني وشعبي ولو كان مخالفاً ومختلفاً، ومحاولة استيعاب واستقطاب الجميع؛ خصوصاً الجيل الجديد الناهض والمناهض لتتم مقاومة عقارب ساعة دولية لم تعد تتحرك في مصالح الشعوب العربية والإسلامية والخليجية؛ بل تحاول تقسيم ساعة المسلمين والعرب إلى نصفين بل أكثر وإشعال نار الفتنة بينهم في نفاق لم تعد ألوانه تنطلي على المسلمين والعرب في تاريخهم الحديث .

 

صحيفة الأوبزيرفر: “النظام الاستبدادي يعود إلى مصر”

مقديشو (الإصلاح اليوم) –141019020722_egypt_640x360_epa

تقول أهداف سويف في مقالها إن الناس في القاهرة تعودوا على أصوات انفجار القنابل وإطلاق النار، والمفرقعات، وأصبحوا بإمكانهم التمييز بينها.

وتذكر أن أجهزة الأمن اعتقلت منذ 30 يونيو 2013 نحو 40 ألف شخص، لا يزال 16 ألف شخص منهم في السجن.

وينتمي أغلب المعتقلين إلى جماعة “الإخوان المسلمون” المحظورة، التي قد يكون بعض المنتسبين إليها ضالعين في أعمال عنف، ولكن أغلبهم لا علاقة لهم به، على حد تعبير سويف في مقالها بعنوان “مصر: نظام استبداي يحكم قبضته من جديد”.

وتضيف أن الحكومة تسعى للسيطرة على جميع ما في البلاد، بما فيها الهيئات والمؤسسات، مثل القضاء والجامعات، والإعلام.

وتقول الكاتبة إن القضاة والنواب العامين يعملون بالتنسيق مع وزارة الداخلية لاعتقال الشباب بالتهمة المشهورة: “نشاطات تخريبية”.

وتذكر سويف أن أغلب المساجين السياسيين شباب، منهم 100 سجين لم يبلغوا سن الرشد. ويتم هذا كله باسم الحرب على الإرهاب.

وتضيف أن الحكومة تجاهلت جميع اسباب القلق والاضطرابات وتركز على الحرب على الإرهاب التي أثبتت فشلها، بانتهاك الحريات ونزع الشرعية عن المطالب.

وتقارن الكاتبة بين نظامي مبارك والسيسي، فتقول إن نظام مبارك هرم وأصبح في سنواته الأخيرة متساهلا، لا يهمه ما يقوله الناس، ما دامت مصالحه محفوظة، أما نظام السيسي فهو أكثر جرأة وشدة، لا يتردد في بدء مشاريع ضخمة مشكوك فيها، وإصدرا قوانين غير دستورية لحماية نفسه ومصالحه.

المصدر: بي بي سي العربية

ديلي تليغراف: “تركيا لن تقوم بالأعمال القذرة نيابة عن الغرب”

مقديشو (الإصلاح اليوم) –ardogan

يقول ماك ألموند في صحيفة ديلي تليغراف إن الدول الغربية متفقة على ضرورة التخلص من تنظيم الدولة الاسلامية بلا رجعة لكنها تدرك جيدا أن الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة في الاغلب لن تكفي لتحقيق ذلك.

ويؤكد ألموند أن الأزمة تكمن في أن ارسال قوات على الأرض قد يكون قرار شبه مستحيل بسبب التجارب الأمريكية والبريطانية السيئة في العراق وأفغانستان لذلك فإن كل الأنظار تتجه الآن إلى أنقرة الذي يضمن تدخلها انجاز المهمة حيث أن من مصلحتها أن تحافظ على استقرار أوضاع الأكراد.

وقال الكاتب إنه رغم الضغوط لم يتحرك الجيش التركي أقوى ثاني الجيوش بحلف الناتو تجاه الوضع السوري عامة وتجاه الوضع في عين العرب “كوباني” بشكل خاص مؤكدا أن ذكاء أردوغان سيجعله يساوم العالم للقيام بهذا الدور فقط إذا دفع الغرب مقابلا باهظا قد يتمثل في أن يظل الأكراد بلا دولة وبلا جيش أو التفاوض على عضوية بلاده للاتحاد الأوروبي كما أنه قد يمتنع عن التدخل إذا لم تقدم له ضمانات احلال نظام سني حال الاطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

وينهي الكاتب مقاله بأن خيوط اللعبة في ايدي تركيا الآن وأنها من ستحدد شروطها وقد تفرضها على الجميع.

المصدر: بي بي سي العربية

أخطاء ينبغي تلافيها في الدعوة إلى الله ( 1 )

102في هذه الومضة أود تسليط الضوء على خطأ من الأخطاء الفادحة التي يقع فيها بعض الدعاة كثيرا، ويكمن هذا الخطأ في ثقافة الداعية وفقهه لقضية الدعوة و التعليم وطرائقها، فمن المعلوم أن من صفات الداعية كونه معلما يعلم الناس الخير ويرشدهم إلى العلوم النافعة و المعارف الصحيحة،قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولامنهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).سورة الجمعة الآية2

     ومما تقتضيه الدعوة إلى الله الحكمة في  التعليم والإرشاد، وضع الشيء في المكان المناسب في الوقت المناسب، والمعيار المناسب،وذلك مراعاة للفروق الفردية أكمل القراءة »